شعرة معاوية بين «حزب الله» وعون! – فادي عيد – الجمهورية

بلغ النفور بين «التيّار الوطنيّ الحرّ» و«حزب الله» مرحلة متقدّمة إلى درجة باتت تهدّد التفاهم الذي نشأ بفعل الإيعاز السوريّ للنائب ميشال عون، وجاء عقب إجازة نظام الرئيس بشّار الأسد له العودة إلى لبنان ضمن شروط اللعبة التي لم تعد خافية على أحد.

وحقيقة الأمر أنّ تقاطع المصالح السياسيّة الذي رست مقوّماته وأنتج "وثيقة التفاهم" في شباط 2006، لم يعد متوافراً في الحقبة الحاليّة، بحيث إنّ عون الذي أوقعه "حزب الله" في أحضانه وامتصّ منه كلّ ما كان في حاجة إليه من دعم لوجستيّ ومخابراتيّ وسياسيّ وغطاء مسيحيّ، ظنّ أنّ ما قدّمه من خدمات كبرى للحزب شكّل ديناً له مقابل ثلاثة مطالب وجب تحقيقها وهي كالتالي:




ـ إيصاله إلى سدّة رئاسة الجمهورية، وهو أمر لم يحصل عام 2008 بعد أن اضطرّ "حزب الله" إلى لفظ "كلمة السرّ" التي خبّأها على حليفه (المفترض) في الدوحة وهي "ميشال سليمان"، الأمر الذي أغاظ "الجنرال" في حينه، لكنّه "بلع الموسى" وأكمل الطريق بعدما وجد نفسه أسير سياسة مضادّة للمبادئ التي نشأ عليها تيّاره.

ـ مصادرة القرار المسيحيّ وإضعاف نفوذ الأقطاب المسيحيّين واختزال القيادة المسيحيّة وتأمين غطاء مسيحيّ، تمهيداً لنشوء حكم لبنانيّ يتم إبعاد القرار السنّي الفعلي عنه، ويقتصر عليه وعلى القيادة الشيعيّة المتمثّلة بـ"حزب الله"، وهذا ما أظهره أداء عون خلال أحداث 7 أيّار و25 و27 كانون الثاني، وخلال كلّ المراحل السابقة التي تمّ فيها تسخير إعلامه "البرتقالي" لمهاجمة ما عرف بـ"السياسة الحريريّة والسعودية"، ومهاجمة "القوات اللبنانية" المتمثّلة بقائدها الدكتور سمير جعجع، لكنّ "حساب الحقل لم يتطابق مع حساب البيدر"، إذ وجد "حزب الله" أنّ عون فشل في لعب دوره الذي رُسم له، فيما حوّل وجهة سيره في اتّجاه "براد" ضارباً عرض الحائط نفوذ البطريركيّة المارونيّة في محاولة لإضعاف هذا النفوذ.

ـ تكيلف عون إثر تشكيل حكومة الرئيس نجيب ميقاتي إحكام السيطرة على مقدّرات الوزارات الخدماتيّة وتفعيل إنتاجيتها، بعدما اعتبرها الحزب فرصة مؤاتية للاستئثار بالحكم بعيداً من قوى 14 آذار، ومنحه عشر وزارات، لكن سرعان ما اكتشف الحزب أنّ عون غير قادر على التحكّم بمفاصلها وإدارتها، وهي ما إن رأت النور حتى وقعت ضحيّة التجاذبات و"قوى الأمر الواقع" و"الجزر الأمنيّة" هنا وهناك، فعمليّات الخطف باتت الخبز اليوميّ للمواطنين ولا أحد يعرف من خَطَف ولا من أجرى صفقة إعادة المخطوف ومن دفع الفدية، كلّ ذلك في وضح النهار، في الوقت الذي بات كبار "الحلفاء" هم من يتولّى المفاوضات ويتكتّم على هويّة الخاطفين ويمتنع عن تزويد الأجهزة الأمنيّة أبسط التفاصيل، الأمر الذي يشجّع على الإجرام والخطف وابتزاز الناس وترويعهم وضرب هيبة الدولة والأمن والاستقرار.

أمّا حادثة الزهراني فتبقى "خير إثبات" على أنّ الأكثريّة "باتت تركيبة هشّة" تجمع مصالح وليس مبادئ، وتهدف إلى تعزيز جزر أمنيّة وإمارات محميّة يغطيها زعماء، بدليل أنّ صهر الجنرال الوزير جبران باسيل أصبح أحد ضحايا "القمع" الأكثريّ، وهو الذي شكا في مؤتمره الصحافي الأخير من فشل القوى الأمنية في منع احتلال أحد أكبر مرافق الدولة في الزهراني التابع مباشرة لوزارته، إلى حدّ ذكر فيه أحد قياديّي "التيّار العوني" أن تحذيراً وجّهته حركة "أمل" إلى التيّار لعدم المبادرة إلى تقديم أيّ شكوى أو تزويد الأجهزة الأمنيّة أيّ فيلم لعمليّة مهاجمة معمل الزهراني واحتلاله.

أحد نوّاب "التيّار العوني" اعتبر أنّ "شعرة معاوية بين عون والحزب على وشك أن تلقى القطع النهائي"، وهو ما يفسّر تهديد عون بأنّ "مصير كل جلسة سيحدّد في شكل مستقلّ"، ويضيف النائب، أنّ عون وجد نفسه ضحيّة سياسة استفاد منها حلفاؤه خلال الأعوام الخمس الماضية إلى اقصى حدود الاستفادة وامتصاص الغنائم، ووجد نفسه زعيماً على عشر وزارات يعشّش فيها الفساد وتضجّ وتعجّ بالمحسوبين على هذا الحليف أو ذاك، وهو الذي دفع ثمناً باهظاً لسياسة معاكسة لمبادئه السابقة وللرأي العام المسيحيّ، لكنّه لم يُبادَل بأيّ ثمن حقيقيّ وبكلمات الشكر ليس إلّا، وهو غير قادر لا حاضراً ولا مستقبلاً على الانعطاف كما فعل سواه، لأنّه يدرك تبعات مثل أداء كهذا.

ويستطرد النائب مُعتبراً أنّ آخر السقطات التي وقع فيها عون ـ والتي بناها على توقّعات وحسابات خاطئة أجراها معاونوه ـ هي صلابة النظام السوري ورهانه عليه، "في حين يظهر المشهد الدمويّ في سوريا تزايد عمليّات القتل وسفك الدماء في شكل تصاعدي".

أحد الذين زاروا الرابية أخيرا أعرب عن "خشية عون من سقوط النظام السوري"، ليس لأنّه راهن على ديمومته ومتانته، بل على ارتدادات السقوط على الوضع اللبناني وعلى زعامته بالتحديد، وهو أفصح لزائره "أنّ هذا السقوط سيستتبعه حكماً شعور قوى 14 آذار بالانتصار، وإعلان النائب وليد جنبلاط انضمامه الى المعارضة، ما سيؤدّي حتماً إلى إسقاط الحكومة الحاليّة التي كان الفضل لوصولها إلى السلطة انعطافة جنبلاط الذي بات بلا منازع "بيضة القبّان" في حكومات ما بعد العام 2005.