قوى ٨ آذار لميقاتي :إذا استقلت سيستقيل البلد كلّه


جاء في صحيفة "الجمهورية": عاش لبنان طوال سنة 2011 التي يودّعها غداً على ضفاف الثورات والمتغيّرات العربية، على الرغم من بعض "الاختراقات المحدودة" التي تأثّر من خلالها بهذه المتغيّرات، نتيجة ما يشهده من انقسام في الموقف والنظرة اليها بين مؤيّد ومعارض، وخصوصاً في النظرة إلى الأزمة السوريّة التي باتت تشكّل الساعة التي أمسى مستقبل الوضع اللبناني معلّقاً عليها.




ويُنتظر أن يبقى هذا الوضع منسحباً على السنة الجديدة، ويستمرّ الانقسام السياسي اللبناني على حاله، إلى أن يتبين "الخيط الابيض من الخيط الأسود من فجر الأزمة السوريّة" التي كانت ما تزال مفتوحة الى احتمالات شتّى، الى درجة أنّ بعض السياسيّين المتابعين يقول إنّ هذه الأزمة بما تشهده من تفاعلات إقليميّة ودولية، ستكون مؤشّراً على مستقبل النظام الدولي الجديد في ضوء الحديث المتزايد عن عودة "الدبّ الروسي" ومعه "التنّين الصيني" الى الساحة الدوليّة بقوّة، خصوصا من "البوّابة السوريّة" بعد "الفيتو" الأخير في مجلس الأمن.

وإذا كانت سنة 2011 سنة الثورات والاضطرابات العربية في المشرق والمغرب، فإنّ سنة 2012 ستكون استمراراً للوضع القائم، بحيث إنّ ثورات المغرب لم تنتهِ فصولا بعد، والمرجّح أن تنتقل شراراتها الى دول مغربيّة جديدة، وفي الموازاة فإنّ دول المشرق تعيش الواقع نفسه تقريبا، مع فارق أنّها شهدت انسحاباً عسكريّا من العراق الذي بدأ يشهد دورة جديدة من العنف، ومن النزاعات السياسيّة الداخلية، فيما سائر دول الخليج بدأت تتحسّس مخاطر انتقال شرارات إليها نتيجة الوضعين العراقي والسوري من جهة، واستمرار الأزمتين البحرينية واليمنيّة من جهة ثانية، الأمر الذي دفعها في قمّة مجلس التعاون الخليجي الأخيرة الى التوجّه نحو إقامة اتّحاد في ما بينها في ضوء اقتراح تقدّم به العاهل السعودي الملك عبدالله بن عبد العزيز لهذه الغاية مشفوعاً بأسباب موجبة حدّدها بالتأكيد أنّ "أمن دول الخليج في خطر".

غير أنّ ما تشهده سوريا، الى جانب ما بدأ يشهده العراق، وما يرافقهما من تفاعلات إقليميّة ودولية، يشيان بأنّ السنة الجديدة ستشهد مشرقيّاً، نزاعاً على مستقبل العراق وسوريا في آن معا، في الوقت الذي ارتفع منسوب الحذر الإيراني من احتمال تعرّض إيران لهجمة دوليّة ضدّها، وهو ما تعكسه المناورات البرّية والبحريّة والجوّية التي تجريها بين الفينة والأُخرى لإظهار ما تملكه من قدرات عسكريّة ردعيّة في مواجهة خصومها. ويذهب بعض السياسيّين الى القول إنّ سنة 2012 المشرقيّة ستكون سنة المواجهة الضارية بين "محور الممانعة" وحلفائه الإقليميّين والدوليّين من جهة، وبين الولايات المتّحدة الاميركية وحلفائها الغربيّين والإقليميين من جهة ثانية.

أمّا في لبنان، وفي ظلّ بقاء أنظاره مشدودة الى محيطه المضطرب أو المأزوم، فإنّ سنة 2011 بالنسبة إليه كانت سنة النزاع على تمويل المحكمة الدولية الخاصة به، والقصور في معالجة كثير من الملفّات الداخلية الحيوية، أمّا السنة الجديدة فستكون سنة النزاع على تجديد العمل ببروتوكول المحكمة الموقّع بينها وبين السلطات اللبنانية، والذي تنتهي صلاحيته مطلع آذار المقبل، وينتظر أن يتوقّف على هذا النزاع مصير حكومة الرئيس نجيب ميقاتي التي كانت تجاوزت قطوع الاستقالة نتيجة المخرج الذي اقترحه رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي وحال دون تنفيذ ميقاتي تهديده الشهير بالاستقالة.

أمّا النزاع بين الأكثرية والمعارضة، الذي كان ضاريا طوال سنة 2011، فإنّه سيبقى كذلك في السنة الجديدة، وينتظر أن يشكّل موضوع بروتوكل المحكمة مادة دسمة للمعارضة في الهجوم على الأكثرية وحكومتها، وخصوصا أنّ فريق 8 آذار يعارض تجديد العمل بهذا البروتوكول، لأنّه لا يعترف بالمحكمة أصلاً وفصلاً.

ومن المرجّح أن تستفيد المعارضة من الخلافات والتباينات القائمة داخل صفوف الأكثرية، خصوصاً في حال تمسّك ميقاتي بتجديد العمل ببروتوكول المحكمة خلافاً لرغبة فريق 8 آذار" والتيّار الوطني الحر" اللذين سيصوّتان ضدّ البروتوكول عندما سيطرحه رئيس الحكومة في مجلس الوزراء لأنّه ملزم بهذه الخطوة لاختلافها عن موضوع التمويل الذي تمّ بقرار اتّخذه شخصيّا.

وغالب الظنّ أنّ التوافق على هذا الملفّ سيشكّل نقطة "تَلاقٍ" بين ميقاتي والأكثرية من شأنها أن تطيل عمر الحكومة حتى انتخابات 2013، أمّا إذا لم يتمّ التوافق عليه فإنّه سيشكّل محطة فراق وافتراق بين الجانبين، خصوصا في حال هدّد رئيس الحكومة بالاستقالة مجدّداً إذا لم يوافق مجلس الوزراء على تجديد العمل بالبروتوكول.

وقيل في هذا المجال إنّ ميقاتي سمع في الرسالة الكبيرة التي تلقّاها مباشرة وشفاهة من فريق 8 آذار أنّه "إذا استقال من رئاسة الحكومة لمناسبة البحث في بروتوكول المحكمة فإنّ البلد كلّه سيستقيل" لأنّه سيكون متعذّراً أن تكون للبلد حكومة جديدة، لا للأكثرية ولا للمعارضة. وقيل أيضاً إنّ ميقاتي سمع ايضاً كلاماً حازماً وجازماً بأنّ عليه ألّا يتوقّع عودة المعارضة الى السلطة مجدّدا "لأنّ هذا الأمر غير وارد على الإطلاق".

وإلى ذلك كلّه فإنّ قانون الانتخاب العتيد، سيشكّل هو الآخر مادّة نزاع جديدة داخل الأكثرية وبينها وبين "الفريق الآخر" لأنّ كلاً من الفريقين يطمح الى خوض انتخابات 2013 والفوز بالأكثريّة النيابية، وتاليا الفوز بالسلطة وحكم البلاد لمرحلة جديدة.

وفي ضوء كلّ هذه المعطيات فإنّ المتوقّع أن تكون سنة 2012 سنة اشتداد الأزمة الداخلية على وقع اشتداد الأزمات الإقليميّة المحيطة بلبنان، كذلك على وقع عودة الحرب الباردة على الساحة الدوليّة من البوّابة السوريّة وربّما من بوّابات أُخرى، خصوصاً وأنّ السنة الجديدة ستشهد استحقاقات دوليّة كبرى منها الانتخبات الرئاسية في الولايات المتحدة الاميركية وفرنسا وروسيا وغيرها، ومن كلّ منها سيتلقّى لبنان انعكاسات مباشرة أو غير مباشرة، لأنّه تعوّد دوماً أن يكون له "قُرص في كلّ عُرس".