إعلام التواصل الاجتماعي: ودوره في الثورات الشعبية من صربيا إلى روسيا مرورا بثورات الربيع العربي ..!! – د.خالد ممدوح ألعزي

إلى شهداء الثورات العربية، و المناضلين والمناضلات، شهداء الإعلام في ثورات الربيع العربي الذين بلغ عددهم 20 شهيد حسب الإحصائيات لعام 2011.

لقد أضحى الإعلام المرئي منافسا فعليا للإذاعة في أواخر القرن الماضي هذا ما عكسته طبعة صحيفة نيويورك تايمز في عام 1939 م. لكن اليوم مع بداية الألفية الجديدة أضحى الإعلام الالكتروني هو المنافس للإعلام المرئي نلكن الثورات العربية وضعت الإعلام الاجتماعي في المقدمة ليبدأ القرن الحالي بإعلام جديد يشارك فيه كل مواطن بطريقته الخاصة،يطلق عليه إعلام التواصل الاجتماعي.




الإعلام الحديث ودوره:

مع تطور وسائل الإعلام الحديثة وبظل ثورة المعلومات التكنولوجية لم يعد الإعلام مجرد إيصال رسالة معينة إلى الجماهير نبل وضع الجماهير في شراكة حقيقية في التنقيب عن المعلومات وإيصالها للآخرين ،فالإعلام الجديد لم يعد مجرد أداة لتوصيل المعرفة وتزويد الناس بالخبر والحدث بموضوعية تدن الحذف والفلترة والتقزيم للمعلومة التي تعتبر حقا طبيعيا لكل متلقي .

لان وسائل الأعلام تعتبر مصدرا أساسيا للمعلومات والتي يبنى عليها المواطن مواقفه ويؤكد رأيه،وكذلك تقوم عليها اتجاهات الجماعات حيال الأحداث والمواقف السياسية والاجتماعية الجارية.

تأثير الإعلام الجديد :

بالطبع يعتبر الإعلام هو العامل المؤثر في عملية التحول من خلال ما يقدمه من معلومات قد تكون حقيقية، وقد تكون كاذبة أو شرهة نتيجة التعرض المستمر والإدمان من قبل المستفيدين من الوسائل الإعلامية.

لقد جئت ثورة الاتصال الحديثة لتجعل وسائل الأعلام شريكا فاعلا يساهم بقدر كبير في عملية تطوير الوعي الاجتماعي والسياسي والعلمي والتربوي والثقافي.

لهذه الأسباب أضحى الإعلام الجديد في موقع متقدم في تقديم خدمة المعلومات وجدب الأنظار نحو المواقع المختلفة لكي تواكب عرضها الإعلامي في ظل معركة فعلية قائمة بين وسائل الإعلام الاجتماعي الحديثة ووسائل الإعلام المرئية التي بات مصيرها مهددا فعليا بوجود قوة منافسة لقوة الإعلام المرئي،فإذا كان الإعلام المرئي لعب دورا مميزا على مدار القرن الماضي، وكان دوره فعلا في التغيرات التي عصفت في العالم في أواخر الثمانيات منه ،وبعد انهيار جدار برلين وانهيار الاتحاد السوفيتي والمعسكر الاشتراكي وحرب البلقان.

فضائيات "سي ان ان" والفضائيات العربية "الجزيرة والعربية":

أضحت قناة "سي إن إن "إحدى ابرز هذا التغير من خلال مواكبتها لعملية التغير في أوروبا الشرقية ،لتواصل الإمبراطورية الإعلامية أعمالها في تغطية الأخبار والأحداث من حرب العراق في العام 1991 وصولا إلى حرب البلقان الأهلية التي دامت حتى العام 1996. لقد تفردت قناة "سي ان ان" في دول العالم كله والعربي خاصة ،لكن بعد سطوع نجم قناة الجزيرة واحتلالها موقعا مميزا في الوطن العربي وقدرتها على تغطية الإحداث العربية والإسلامية بطريقة مميزة ومهنية فرضت نفسها على العالم واعتبارها مرجعا إعلاميا مميزا ومتقدما تتفق معها أو لا تتفق ،لكنها استطاعت أن تكون مصدرا إعلاميا وصناعة للحدث ،لقد كانت مصدرا في تغطيتها الإعلامية في حرب الشيشان والبوسنة وكوسوفو وحرب لبنان في 1996 وحرب العراق الأولى في العام 1991 وتغطية الانسحاب الإسرائيلي من لبنان 2000 وحرب صربيا عام 1999وحرب أفغانستان2001 الذي كانت فيه المرجع الإعلامي الوحيد والعراق ، وفي حرب العراق الثانية في عام ،2003 م.

لقد وضعت إمبراطورية الإعلام في الجزيرة وإمبراطورية العربية لتي تم إنشائها في عام 2003 لتكون المصادر والمراجع للإخبار العربية الحصرية ومن مصدرها الحصري على طريقتهم الخاصة ،فالعربية التي تأسست عام 2003 على أعقاب احتلال العراق ،تميزت بالهدوء الإعلامي والجزيرة تميزت بالصخب الإعلامي ،فالقنوات العربية الفضائية قد وضعتا حدا فعليا للإمبراطوريات العالمية الأخرى في تفردها على تغطيت الخبر العربي والإسلامي بل ذهبتا بعيدا في المنافسة مع الفضائيات الأخرى على تقديم الخبر بطريقة مميزة لا تختلفا أبدا عن الإعلام العالمي.

لغة الإعلام الاجتماعي:

اللغة الإعلامية في إعلام التواصل الاجتماعي هي لغة الجماهير العادية التي هي بنفسها تحدد وتختار الرموز والإشارات التي تتطابق مع تلك التي يختزنها المتلقي في الإطار الدلالي "المخزون ألمعرضي"، وهذا يقتضي البعد عن المفردات والكلمات الوحشية أو الأعجوبية كي يتمكن المتلقي من تفكك الموز المرسلة ،والتي نلخصها بالتالي :

1-مبادئ ومعايير اللغة الإعلامية ،

2-اللغة السيميائية والأداء الإعلامي "اللوك"،

3- المصطلحات والرموز والقوالب النمطية.

هذه اللغة الجديدة التي ولدت ونمت في رحم وسائل الاتصال الجماهيري أنتجت خطابا ولغة خاصة لا تنفصل عن الزمان والمكان الاجتماعي والإنساني لذلك كان لها تأثيرا واسعا على الشوارع التي تلقت خطاب هذه الوسائل وسارعت لتبني هذه اللغة وذالك الخطاب القصير والواضح.

تاثيرإعلام التواصل الاجتماعي على الجماهير:

مع تطور الإعلام الحديث بظل الثورة التكنولوجية الحديث التي سمحت للجميع باستخدام الوسائل الحديث لكل المواطنين الذين يستخدمون الوسائل الجديدة في أصال الخبر بطريقة سريعة من خلا هذه الوسائل الجديدة ، وفي القلب منه وسائل الإعلام الاجتماعي الممثل:" بالنيت والميل والجوال والتويتر واليتيوب والفس بوك".

فالجيل الجديد الذي أضحى يستخدم الوسائل التكنولوجية من خلال الاعتماد عنصر الشباب واستخدامه للغات الأجنبية المتعددة وتمكن هذا الجيل الشاب من استخدام التكنولوجية المعلوماتية ،فكانت هذه الوسائل الحديثة تستخدم لتسهيل الإمكانيات في خدمة التطور الجديد ،فالمعركة الأولى التي كانت تستخدم فيها وسائل الإعلام الاجتماعي الحديث في ثورات اجتماعية للإطاحة بالحكومات الفاسدة والمستبدة والشمولية التي تسطو على دول بكاملها.

تطور الإعلام الاجتماعي الثورات :

لقد اتسعت الهوة الفعلية بين الإعلام الكلاسيكي وإعلام الاتصال الاجتماعي بعد تطور الإعلام الاجتماعي ولعب دوره الريادي في عمليات التغير انطلاقا من صربيا وأوكرانيا وجورجيا والثورات العربية والتي تعتبر سورية نموذجا مميزا لاستخدام الاتصال الاجتماعي ،مرورا بحركة "وول ستريت"، وصولا إلى أحداث روسيا الأخيرة التي اندلعت بعد انتخابات 4 ديسمبر كانون الأول من هذا العام .

فالرئيس بشار الأسد خلال اجتماعه بوفد شبابي سوري تم سؤاله عن مدى تأثير المظاهرات على مستقبل النظام السوري ،فالجواب كان من قبل الأسد بأنه لا يهتم للمظاهرات وطبيعتها بل يهمه فعليا الصور التي ترسل للإعلام والأشرطة المسجلة التي تعلن في المواقع الإعلامية المختلفة،

فالتكنولوجية أضحت السلاح القاتل للنظام في سورية وغيرها، وهنا يكمن السؤال الفعلي فهل تحولت التكنولوجية إلى إيديولوجية جديدة في العالم ،أفشلت مفهوم الأنظمة بان هؤلاء الإعلاميين لم يعدوا عملاء ومأجورين للغير بفضل قوة وسيطرت الأعلام الاجتماعي .

معركة الإعلام الاجتماعي الأولى :

1-صربيا معركة المدونيين:

فإذا نظر في صفحات التاريخ الحديث فإننا نجد قوة الاجتماعي كانت في تجربتها الاولى وإمام تحدي جديد في العالم لقوى التغير السلمية الحديثة ،في العام 1999 كانت معركة الإعلام الحديث في يوغسلافيا "صربيا والجبل الأسود" ضد نظام ميلوسوفيتش فالإعلام الحديث كانت تكمن قوته الأساسية في قوة المدونين من خلال الإعلام الالكتروني الذي استطاع هذا الإعلام أن يقوم بثورة فعلية وينجح في قلب نظام حكم الدكتاتور في صربيا ويستطيع تغير النظام الدكتاتوري.

2-جورجيا معركة المدونين والرسائل القصيرة :

طبعا استطاع الإعلام الاجتماعي بعد فترة وجيزة من الزمن انتصارا جديدا لوسائل الإعلام الاجتماعي في عملية التغير السلمي وتغير النظام من خلال مظاهرات شعبية سيطرت على الشوارع وأدت بالتغير السلمي لأنظمة دكتاتورية كان فيها للإعلام الاجتماعي،من خلال استخدام وسائل جديدة في عملية التغير الذي شارك فيها الجمهور ونشطاء الشعب الذين ساهموا بعملية التغير السلمية.

3- أوكرانيا وميدانها الشهير وقوة الرسائل القصيرة:

في العام 2004 اجتاحت أوكرانيا موجة جديدة من الاعتراض الشعبي على طبيعة النظام الحاكم الذي أضحى الشعب الأوكراني كله يعانون منه بشكل علني فكانت حركة احتجاجات واسعة تسيطر على الحياة العامة وبدء نصب الخيام في ساحة الميدان التي أصبحت أشهر من تاريخ الدولة كلها ،فحركة الاحتجاجات والخيام التي نصبت في ساحة كييف العامة في ظل موجة ثلج وصقيع قارص فاجأت،وعندها عرفت حرك الاحتجاجات بثورة البرتقال الاعتراضي والتي أجبرت الدولة على أعادت الانتخابات للمرة الثالثة وفوز فريق المعارضة البرتقالية وتشكيل حكومة ورئيس معارض جديد ،لكن قوة الثورة التي دامت لعدة شهور كان سلاحها الأساسي المدونين والميل ولكن الهاتف الجوال بأدواته الأساسية الصور والرسائل النصية هي التي كانت قوة الثورة البرتقالية التي تحولت لقوة إجبارية تصنع الحدث ألسياسيي وتقود الجماهير نحو التغير لتنجح في عمليتها التغيرية الجدية ،وهذه المعركة التي كانت في العام 2004 كانت المعركة الظاهرة وليست الأولى لوسائل الإعلام الاجتماعي،لكنها المعركة الأساسية التي كان دور الإعلام الاجتماعي بارزا بشكل مباشر والتي تضع حدا لكل وسائل التغير في عملية التغير الجديدة ،وبالتالي أضحى التنافس قائم بين وسائل الإعلام الاجتماعي ووسائل الإعلام المرئي في عمليات التغير.

4- ثورات الربيع العربي ودور الإعلام الاجتماعي:

والسؤال الذي يطرح نفسه اليوم على الإعلام بشكل عام هل دمت الهوة بين الشعب والإعلام، وأعاد الثقة بالإعلام وخاصة بعد انسحاب الإعلام من المشهد العام ،وظهور شبيحة إعلاميين وتخلي آخرين عن دورهم وواجباتهم ،أليس من المبكر جدا بان نقول بان الإعلام لقد اخذ دوره الريادي في حياة المجتمعات العربية والإسلامية. طبعا اختلف دور واستخدام إعلام التواصل الاجتماعي عن الإعلام العادي في ثورات الربيع العربي بين بلد وأخر حسب قوة استخدامه ودور القوى الشبابية لهذا الاستخدام،بظل مجتمعات تعتبر نظريا مختلفة بالتكنولوجية والتقنية مقارنة مع الغرب ،لكنها كانت مقبولة من خلال التالي .

-1- تونس ومصر والفيس بوك:

لقد استخدم ثوار الساحات في مصر وتونس في بداية ثورتهم قوة ساحرة أساسية في تنمية حركة الشارع الذي كان مدار ثلاثة سنوات في كلا البلدين بسب السماح العام في البلدي لاستخدام قوة الاتصال الاجتماعي التي تحولت فيما بعد القوة الساحرة في يد القوى الشبابية لتقود الشارع فيما بعد لثورة فعلية ضد النظامين. لقد كان "الفيس بوك" في ثورتي تونس ومصر هو المحرك الأساسي والرئيسي للثورة التي فتحت فيها صفحات في كلا البلدين باسم خالد سعيد في مصر ومحمد بوعزيزي في تونس ،وبرز نشطاء "الفيس بوك"، وقيادات فعلية لأدارت الثورة من خلال نشطاء عرفوا بأسمائهم ك نواره فؤاد نجم وائل غنيم وأسماء محفوظ .

وفي ثوراتي مصر وتونس وضع الإعلام الاجتماعي ،الإعلام المرئي أمام معركة حقيقية في متابعة الإحداث واندلاع الثورات والتغطية الإعلامية والميدانية لها،صح بان الإعلام الفضائي كان مواكبا لحركة التغير من خلال الوقوف معه في ساحات الميادين والشوارع والتغطية المباشرة لهذه الثورة ،فالسؤال الذي يكمن في ذهن المواطن بان الفضائيات كانت جانب الثوار في ساحاتهم وفي شوارعهم ،ولم تكن الأجهزة التكنولوجية في أيادي الثوار في الساحات ،وان اغلب الذين استشهدوا كانوا من ثوار الساحات والذين تم اعتقالهم بالأغلب هم من الذين كانوا يخرجون من المقاهي ،طبعا هذا صحيح ،لان الإعلام المرئي فرض عليه الوجود في الساحات لتغطية الحدث الذي كان مفاجأة له أيضا ولم يصنع هذا الحدث لذلك كان في معركة وجود والدفاع عن استمراره ،لان ثوار الساحات لم يستخدموا الإعلام المرئي في ثورتهم ،ولم يذاع أي بيان للثوار على الشاشات ولم يستخدم التلفزة لإرسال أي رسالة للمتظاهرين.

بل الإعلام الاجتماعي هو الذي كان صلة الوصل بين الثوار وساحاته وفي التعبئة العامة الشعب وإرسال الرسائل القصيرة ،والإعلام الاجتماعي هو كان وسائل الرد والقبول على كل العروض والطلب مع الحكومات ،فالإعلام الاجتماعي كان الرابط بين قادة الثوار وكل الثائرين في الساحات والأخذ بكل المواقف من خلال الرنات البسيطة والرسائل القصيرة التي كانت ردا حقيقا على كل الخطابات الكلاسيكية .

وهنا تعرض الإعلام المرئي لأول صفعة منذ خروجه على المشاهدين لاعتباره مجبرا على اختيار هذا الخيار وليس لاعبا أساسين فيه.

-2- ليبيا الشاشات من ميادين المعركة:

لقد استطاع نظام ألقذافي بسد كل المنافذ على الإعلام الاجتماعي والمرئي من ممارسة دوره ، من خلال منع الإعلام بشكل عام من ممارسة دوره وسيطرت إعلام ألقذافي على إعطاء صورة خاصة لتوجهه الأساسي والإعلامي ،إضافة لاستخدام عمليات التشويش الالكترونية والتكنولوجية لمنع وسائل الإعلام الاجتماعي والمرئي ،وبالتالي تحول الأعلام الإعلامي لتغطية ميدانية من ميدان المعركة التي تطورت من سلمية لعسكرية ميدانية ،فالبداية غض الأعلام بشكل عام عن أخطاء الثوار في ممارستهم الميدانية ،لكن مع انتهاء الثورة لم يعد الإعلام يعول على أخطاء المنتصر فالأخطاء كثيرة وكبيرة ولم تعد تحتم من ممارسات كانت ممارسات انتقامية لم تختلف عن نظام ضاق منه أهل ليبيا الويل ليمارسوا نفس عملية الانتقام وخاصة من التصرفات التي مارسها الثوار مع شخص ألقذافي ورجال نظامه.

3- إعلام الممانعة اقوى من اعلام التواصل في ثورة البحرين:

الذي صبغت على كل الثورة نوع ولون خاص أبعدها عن واقعها الحقيقي التغيري الذي يطلبه الجمهور العام وإنما فئة خاصة بسبب انتماءها الطائفية مما قسمت البلاد إلى قسمين وانقسام الإعلام بشكل كامل من مطالب هذه الثورة التي أخذت وجها مختلفا لصراع مذهبي طائفي من خلال استخدام الإعلام الممانع في إفراد مساحات واسعة لثورة البحرين في إعلامها وغض النظر عن ثورات أخرى تم السكوت عنها.

4-ثورة اليمن والإعلام الحديث: إن التوازن الفعلي لثورة اليمن من خلال حماية الثورة برجال العسكر الذين انشقوا عن المؤسسة العسكرية وأعلنوا أنظامهم للثورة، ساعد بالاستقرار النسبي الذي ساعد بطريقة أو بأخرى من استمرار العمل في جميع الوسائل الإعلامية المختلفة في ممارسة مهامها الإعلامية ،فكان الإعلام المرئي يمارس دوره الطبيعي ،إضافة للوسائل الإعلام الاجتماعية التي كانت تمارس دورها الفعلي من خيم المتظاهرين في ساحات الاعتصامات والميادين الذي يحتلها الثور، "الفيس بوك"، كان له دورا مميزا للتواصل والجوال والمواقع الالكترونية التي تستخدم في تعبئة الجماهير المغربية في حشودها للتظاهرات.

5- الثورة السورية وقوة إعلام التواصل الاجتماعي:

أما الثورة السورية فكان الوضع فهي يختلف كليا عن كل الثورات والحركات التحررية في العالم المعاصر لان النظام حاول ممارسة التعتيم الإعلامي منذ بداية ثورية الحرية من اجل تسويق خطابه ،لقد مارس كل الممارسات التي تساعده على إسكات الصوت الإعلامي وتشويش الثورة منذ اليوم الأول الذي كانت فيه وسائل الأعلام المرئية مترددة بنقل الصورة الفعلية من داخل العاصمة السورية ،ولكن السبق الصحافي والإعلامي بين القنوات الفضائية بين القنوات هي التي أجبرت الإعلام الفضائي بالتغطية لمسار الثورة ،فقناة أل"بي بي سي"، هي التي كانت السباقة لتغطية الحدث السوري مما دفع القنوات الأخرى بممارسة نفس السلوك لقد عمدت على نقل الصورة من موقع الحدث وفتحت الهواء للمعارضين للتحدث ،لكن النظام عمد إلى أقفال المراسلين من ممارسة مهامهم الإعلامية ومحاولة سحب الإعلاميين السوريين من القنوات العالمية ومنعهم من العمل فيها تحت التهديد والترغيب ، ومحاولة النظام المتعددة بسحب المصداقية من يد الإعلام الفضائي من خلال إرسال شرائط مصورة مفبركة ،وبث معلومات كاذبة لكي يستند إليها الإعلام الفضائي من اجل أقاعه في فخوخ المعلومات الكمية وغياب النوعية بسبب غيابه عن الحدث وبالتالي أضحى الإعلام المرئي إعلام غير قادر على صناعة الحدث .

عكس الإعلام الاجتماعي الذي كان القائد في ثورة الحرية السورية من اليوم الأول لها بالرغم من كل ممارسة النظام القمعية الذي مارسها ضد صانعوا هذا الإعلام الشعبي ، فالإعلام الاجتماعي هو الذي قاد العملية الإعلامية بوجه النظام السوري وكان البديل لكل وسائل الإعلام الكلاسيكية،فالإعلام الاجتماعي ووسائله فعلت فعلها في ثورة سورية ،لقد فتحت الصفحات العديدة على موقع "الفيس بوك"،ظهرت صفحة حمزة الخطيب، والثورة السورية، وسورية الجديدة من الخارج،إلى الخ ، لقد كانت هذه الصفحات صلة الوصل في التعليق على الأحداث وإبداء الرائي، وإيصال الرسائل بين المشتركين حتى خاض النظام وأمنه على كل الذين يستخدمون هذا الإعلام من خلال إغلاق صفحاتهم ،ومحاولة انتزاع أرقم الدخول للصفحات من المعتقلين ، لقد أبدع الإعلام الاجتماعي في ثورة سورية ،وإعلاميين هذا القطاع كان لهم الدور المميز والقاتل للنظام السوري في نقل الصورة الفعلية لصورة سورية وممارسة النظام ،لقد استخدم الثوار هواتف الثورية التي كانت صلة الوصل بين الثوار والعالم الخارجي .

لكن الأهم من كل ذلك هو استخدام الصور من الهواتف النقالة التي تعتبر اخطر سيء في الإعلامي التي صفعت النظام من خلال التقاط الصور وإرسالها للوسائل الإعلامية المرئية والالكترونية ويكمن سر صور الجوال بأنها لا تخضع للمونتاج والفوتو شوب كونها تبقى كما هي لا يمكن التلاعب فيها وبالتالي عجز النظام عن تكذيبها أو وصفها بالمفبركة وهي التي دقت الإسفين الحقيقي في نعش النظام السوري ،إضافة إلى اليوتيوب الذي كان العامل الثاني في فضح جرائم النظام،لم تفلح الهواتف النقلة ورسائلها في تنظيم العمل الثوري بسبب رقابة النظام لها ،لكن الإعلام الالكتروني كان له القدرة على تجسيد الصورة وعرضها على العالم من خلال ربط الحركة الثورية من خلال وسائل الثوار الإعلامية بالإعلام ،مما دفع وسائل الإعلام المرئي الاعتماد على وسائل الاتصال الاجتماعي المرسلة من الميادين وعرضها من خلال الأفلام المسجلة أو السكيب في العرض المباشر عن طريق الهواتف الذكية ،فإعلام الثورة تطور ليكون إعلام منظم يقود عمل ثوري من دولة قمعية تحارب هذا الإعلام وتشل دوره وتعطل مفاعليه من خلال جيش الإعلام الالكتروني الذي يهاجم المواقع الالكترونية ومحاولة فتح ايميلات المشتركين بالشبكات العنكبوتية المختلفة ، إلى شراء التكنولوجيات العالية واستخدام خبراء في الإعلام التكنولوجي من دول حليفة وصديقة لها خبرة في ممارسة هذه المهام .

لكن الثوار لم يتوقفوا إمام ضغط النظام فكانوا لهم بالمرصاد بوسائلهم المختلفة التي تخطت قوة النظام ،ولكن تطوره لتصل إلى أفلام تبث وترسل للشاشات والتلفزة وأغاني ترسل على اليوتيوب ،وراديو متحرك يبث أخبار الثورة بالإضافة إلى الخروج بصحف للثورة تمارس لتمارس دور الإعلام المعارض الحقيقي في دولة تفقد فيها مقومات العمل الإعلامي ، مما اجبر القنوات الفضائية الاعتماد على عمل الإعلام الاجتماعي في إشراكها في تغطية الخبر من خلال صورها المرسلة وشهودها العيان والتحدث معهم بأسماء مختلفة فهؤلاء شهود العيان هم قادة الحراك الثوري الفعلين والتي بدأت تظهر صورهم الفعلية عن طريق السكيب .

حرب الفيديوهات المصورة والصفحات المكتوبة:

لقد تطورت حركة الصراع بين الفرقاء لتأخذ شكليا جديدا من المواجهة لا تبات وجهات النظر بين المتصارعين والذي كان اليوتيوب هو مدارها الذي قسم الجميع بين مؤيد ومعارض لتعرف فيما بعد بحرب الفيديوهات في الاحداث الاخيرة في مصر بين المجلس العسكري وثوار الساحات عن كيفية بدأ الاحداث ومن المسبب في فتيل الازمة وحرق المبنى العلمي ،فكانت الفيديوهات هي الصراع الحقيقي في العرض والرد من اجل الاصرار على وجهة النظر وبالتالي اضحت هذه الحرب هي الحرب الغيبية التي تحاول اخذ جماهير غفيرة معها لاسترضاء شعور البعض وابعادهم عن الحقيقية الفعلية لمسير الاحداث ،فالفيديوهات اضحت المسجل والموثق الحقيقي للأحداث كالشهد الفعلي الذي يمكن التوجه اليه فيما بعد لكشف الحقائق الفعلية ،كما كانت حال المحكمة المصرية في استخدام الشرائط المسجلة في ادلة ضد ضباط القوات الخاصة الذين ارتكبوا جرائم مختلفة في قتل الابرياء في ميدان التحرير في 28 يناير من العام الماضي.

طبعا يدور في سورية حربا شرسة من حروب الإلكترون في بين المعارضة السورية والنظام عدا الفيديوهات التي يتم نقل التظاهر في المدن السورية من خلالها والتي تفضح عيوب النظام وممارسة حماة دياره في البطش والقتل والوحشية. بل تعدت ذلك الى التسجيلات الذي يستعملها كلا الطرفين وكل منهما يرفقها بمعلومات تناقض الآخر. وهكذا يحصل التسجيل ذاته على عنوان مختلف وتعريف مختلف.

فالأمر لم يقتصر على مصر وحدها، لتخرج كل عناوين الصحافة المكتوبة تحت عنوان ما نشت واحد حرب الفيديوهات تشعل مصر كلها، وكذلك في احداث ماسبيرو الشهيرة، التي نالت من الاقباط لتخرج الصحافة بمانش حرب الفيديوهات تشعل نار الحرب بين المسلمين والمسحيين ، بل ذهبت هذه الحرب الى ابعد من مصر، الى سورية عندما استخدم وزير الدبلوماسية السوري وليد المعلم لشرائط مسجلة في مؤتمره الصحافي الذي تبينت بان هذه التسجيلات مفبركة ومأخوذة من الاعلام اللبناني في احداث طرابلس عام 2008 واعدام الشاب المصري في قرية "كترمايا" اللبنانية بسب بعملية اغتصاب وقتل عائلة في البدة نفذها الشاب ،فقام الاعلام السوري بمحاولة تسويقها على انها جرائم عصابات ومخربين في سورية ،ولكن بعد الفضيحة للأفلام المسجلة في المؤتمر الثاني للمعلم برر عرضه للموضوع واصر على تسويق نفس الموضع بل اكد بان الاخراج هو السيء ،لقد نسي المعلم بان هذه الافلام لا تخضع للمونتاج والاخراج والا…بطل مفعولها. لم تبقى الفيديوهات الوحيدة في حلبة الصراع بل دخلت الصفحات المسجلة على الفيس بوك بممارسة المعركة لكي تصل الافكار المتخاصمة الى كل الجهات والاطراف ،والتي خاضها الثوار المصريون على صفحاتهم المسجلة تحت اسم الشهيد خالد سعيد ،وبل اسسوا صفحة جديدة اطلقوا عليها كاذبون لتخوض السجل عليها ، ضد صفحت المجلس العسكري الذي ينشر افكاره وبياناته واراءه وتحليله للإحداث وردود فعله على كل الانتقادات.

من وول ستريت حتى روسيا ودور إعلام التواصل :

فإذا كان الإعلام الاجتماعي لعب دورا مميزا في عرض حالة الثورات والاحتجاجات الشعبية في دول يفرض عليها النظام سيطرته وقدراته الإعلامية والأمنية والمخابراتية ،لكن القدرة الحقيقية في رفع صوت الشعب عاليا في دولة تعتبر فيها حرية الكلمة وممارسة الديمقراطية وانتشار الإعلام شرطا أساسيا من دستورها وحياتها الاجتماعية ، لقد كانت حالة الحراك الاحتجاجي في أمريكا من خلال حركة احتلوا وول ستريت التي احتفلت في 18 كانون الأول من هذا العام، بشهرها الثالث والتي ردد فيها المتظاهرين إحدى شعاراتها بالعربية الشعب يريد إسقاط" وول ستريث "،وكذلك أغنية الراحل الفنان محمد عبد الوهاب اعشق الحياة ،لقد جمعت هذه الحركة اكبر عددا من المشاركين في عملية الاحتجاجات من خلال "الفيس بوك والتويتر" للاعتراض على الحالة الاقتصادية والمعيشية التي تعيشها الدولة الأولى في العالم ورفضهم لإدارة الوضع الاقتصادي الحالي الذي يدخل في أزمة كبيرة ويجر العالم معه لارتباط العالم الاقتصادي بعملة هذه الدولة المنهارة.

وكذلك روسيا الاتحادية التي خرج فيها المحتجين إلى الشوارع احتجاج على الانتخابات البرلمانية التي أجريت في 4 ديسمبر "كانون الأول " من هذا العام من خلال استخدام المحتجين وسائل التواصل الاجتماعي في رفضهم للتزوير وعدم الشفافية التي تمارسها السلطة مع العملية الانتخابية ،فالحراك الروسي لم يكن زوبعة في فنجان، وإنما مصدرا حقيقيا للقلق الفعلي التي أزعجت الساسة الروس من خلال الاعتراضات التي تحولت فيها المعارضة من استخدام المواقع الالكترونية وألنت إلى الاحتجاج في الساحات العامة والتي شملت 90 مدينة .

الإعلام اللبناني والثورات العربية :

لقد وقع الإعلام اللبناني في مطب المناكفة السياسية في تعاطيه مع مستوى الحدث الذي اندلاع في الوطن العربي ،ولم يمارس مهمته الإعلامية بطريقة مهنية بل بقي بعيدا جدا عن الحدث العربي ودخل في عملية التضخيم والعدمية بين التقزيم والفلترة لكون الإعلام اللبناني اقتصر مهامه الفعلية على ممارسة السياسة وليس الإعلام ،لقد خرج الإعلام اللبناني عن الموضوعية المهنية واختزل الحدث العربي بطريقة مختلفة للعمل الإعلامي ،فالاختزال كان بطريقة مختلفة لكون الحدث العربي كله تمحور بالمشكلة السورية والتعاطي معها ،بدل الخروج بإستراتيجية إعلامية عربية بجانب الشركاء العرب والاستفادة من الخبرات الإعلامية اللبنانية العريقة . بالطبع هناك خروق كبيرة لإعلاميين لبنانيين في ممارستهم للمهنة الإعلامية وموضوعيتها والتعامل مع الحدث العربي بشكل عام، وبالتالي الإعلام اللبناني لم يكن صانع الحدث العربي الكبير ولم يكن مؤثر فيها.وهذا ما حول التوقف أمامه المؤتمر الذي عقده منتدى الفكر التقدمي في 14 كانون الأول من هذا العام تحت عنوان :"دور الإعلام في زمن التحولات العربية"، من خلال قراءة تجارب إعلامية مختلفة لبنانية مصرية تونسية أمريكية تركية ألمانية كان لها بصماتها على الثورات العربية.

 

لكنا نقول هل نعتبر أنفسنا إننا أمام إعلام حقيقي وفعلي فعل ،قام بمواكبة الثورات العربية ،أو نحن أمام أزمة أعلام أضحى يلقي بنفسه ويواكب التغيرات العربية،من خلال الانصياع إلى خطاب الشارع . مما عمق الهوة الفعلية بين شباب الساحات والإعلام الكلاسيكي التي بات عرضة فعلية من قبل الناس في عملية الاعتداء عليه والاتجاه نحو إعلام التواصل الاجتماعي لما أضحى يمثل مصداقية حقيقية ،مما وضع الإعلام المرئي في معركة حقيقية مع إعلام التواصل الاجتماعي للدفاع عن وجوده وبقاءه ومحاولته الدائمة في إثبات قدرته وهويته الذي جعله يلتزم الشارع كي لا يضحي بمستقبله.

وهنا تبقى الأسئلة مفتوحة على مصراعيها ،هل تخلص الإعلام الحالي من شبيحة الأعلام ؟هل أثرت الثورات على المشهد الإعلامي ؟هل ارتقى الإعلام العربي إلى مستوى اصدق في تعامله مع القضايا ؟وأي مستقبل رسم لنفسه الإعلام في ظل الثورات العربية الحالية .

الزمن هو الوحيد الذي سوف يجاوب على كل هذه الأسئلة المطروحة…