مع الثورة وضدها – سمير عطا الله – الشرق الاوسط


قال لي أديب عربي كبير: إن «الأوساط الثقافية» تتهمني بأنني لم أؤيد الثورات العربية بحماس، وأجبت بأن المثقفين عادة مبالغون، لكنهم هذه المرة دقيقون، فخلاصة ما أردت قوله: إنه ليس أسوأ من الأنظمة المتساقطة، وأحب أن أضيف أن ما اختارته الناس هو خيار الناس، سواء في مصر أو تونس أو المغرب، ما دامت قد اقترعت بحرية.




لكن ليس من حق الثورات – كما لم يكن من حق الأنظمة الطغيانية – أن تطلب من أحد التأييد المطلق، ولا أن تحل ديكتاتورية الثورة محل ديكتاتورية الاستبداد والنرجس، ففي ليبيا تصرف بعض الثوار بأشنع مما يمكن أن يقبله أي خلق، وفي مصر اختلطت الفوضى بالبلطجية بالفلتان بالخطر، حتى لم تعد الثورة الحقيقية بينة، وقضت هذه الفوضى على الاقتصاد وأهلكت موازين المال، وأحدثت فرقة كبرى مع الجيش، بعدما كانت قد هدمت صورة رجال الأمن في النفوس.

الآثار السلبية في تونس كانت أقل بكثير، وتدخل الثوار في شؤون الإدارة (قبل الانتخابات) كان أكثر دراية، ووفر خروج بن علي على البلاد المظاهر التي رافقت محاكمات حسني مبارك، كما وفر عليها قبل ذلك مظاهر موقعة الجمل التي ستدخل التاريخ على أنها أغبى عمل منذ فيلم «إسماعيل يس في البحرية».

لا يحكم على الخطأ بموقع الخاطئ، بل بحجم الارتكاب. وإذا كان حسني مبارك قد فقد العلاقة بالواقع والناس في سنوات الحكم الأخيرة، فإن الثورة فقدت العلاقة مع الحقيقة في الأشهر الأولى، ونسيت أن شبانها لا يعرفون أصول الحكم وجسامة الإدارة، ونسيت، خصوصا، أن شل الحياة العامة بداعي الثورة أسوأ من شلها بداعي التوريث.

في المقابل، تصرف اليمنيون على نحو مذهل. تجمع ألوف المعارضين والمؤيدين في ساحات متلاصقة، وكل منهم في خصره خنجر، بقي، والحمد لله، للزينة. أهلكهم علي صالح بالمماطلة، وأهلكوه بالصبر والانتظار والصمود في ساحات صنعاء وتعز. حاولت الحكومة جرهم إلى نزاع مسلح، فأبقوا أسلحتهم في المنازل.

أساء عسكر مصر التصرف مع المتظاهرين بعد سنة، ولكن كل ذلك في نهاية عمليات استفزاز طويلة ومتزايدة انتهت بإشعال النار في ثوب القاهرة بعد أشهر على تنحي مبارك، الذي يفترض أنه هدف الثورة. حدثت تجاوزات كثيرة. ولاحق الأمن بعض الرموز المعروفة بأساليب غير مبررة. ولكن كان على الثورة أيضا أن تدرك أنها انتهت يوم توجه المصريون، في حرية لم يعرفوها من قبل، إلى صناديق الاقتراع، لتغيير النظام من أساسه، بل من جذوره. وقد صار الكلام عن فلول النظام «مضحكا» مثل «الثورة المضادة» في الماضي.