أبعاد الصفقة الأميركيّة – السعوديّة – شارل جبّور – الجمهورية


في تعليقها الأوّلي على صفقة الـ 30 مليار دولار مع المملكة العربيّة السعودية، أعلنت الولايات المتّحدة أنّ هذا الاتّفاق «يعزّز العلاقة القويّة بين واشنطن والرياض التي تشكّل عنصراً أساسيّاً في أمن المنطقة»، كما أنّها «رسالة قويّة مفادها أنّ الولايات المتّحدة متمسّكة بالأمن في الخليج، وهي ستحسّن قدرات الردع والدفاع لدى السعوديّة ضدّ أخطار خارجيّة تهدّد سيادتها».

قد يعتبر البعض أنّ هذه الصفقة لا تشكّل جديداً كونها ليست سوى جزء لا يتجزّأ من صفقات متتالية، وبالتالي هي مجرّد استمرار للسياسة القديمة المتّبعة من قِبل الولايات المتّحدة، ولكن هذا لا ينفي أنّ توقيتها كما ظروفها مختلفة عن المحطّات التي سبقتها من زوايا مختلفة، لعلّ أهمّها:




أوّلا، من الواضح أنّ تسارع الأحداث على المستوى السوريّ سينقل التركيز والاهتمام إلى الملفّ الإيراني، والدليل الأزمة التي نشبت على أثر تهديد طهران بإغلاق مضيق "هرمز" في حال استهدافها بعقوبات جديدة، والتحذير الفوري لواشنطن من مغبّة إغلاقه، ومن ثمّ عبور بارجتين أميركيتين المضيق في رسالة واضحة لطهران بأنّ إغلاقه ليس بمتناول يدها.

ثانيا، إعادة تسليط الضوء على مركزيّة الدور السعودي، الذي تولّى أدواراً بارزة في الآونة الأخيرة، من التنسيق في الموضوع اليمنيّ إلى دخولها على خطّ الأزمة السوريّة في ظلّ المراعاة القائمة لدورها، إذ لم يذهب التلزيم الدولي تلقائيّا إلى تركيا، وذلك من أجل إقامة نوع من التوازن بين الدور التركيّ والدور العربي.

ثالثا، خرق الولايات المتّحدة للأطروحة الكلاسيكيّة بأنّ قوّة إسرائيل هي التي تضمن الاستقرار في المنطقة، وبالتالي تحوّل قوّة السعودية إلى عامل استقرار أيضا.

رابعا، تقوية الدور السعودي ودعمه في وجه طهران. ومن الطبيعي أن يكون العنوان الأساسي للمواجهة موجّهاً ضدّ إيران، خصوصاً أنّ الإرهاب لم يعد على أجندة الصراع في المنطقة، ناهيك أنّ تجربة الربيع العربي أسقطت هذه المقولة.

خامسا، الميل الأميركي إلى تكريس التوجّه والمنحى الذي أرسته الإدارة الأميركيّة بعد تجربة العراق لجهة أنّه لا بدّ من دعم وضعية دفاعيّة بالمنطقة تطمئن لها، كونها لا تريد أن تتولّى قيادة أدوار عسكريّة بشكل مباشر. أمّا التدخّل في ليبيا فقد جاء من خارج السياق، حيث اضطرّوا إلى ذلك في ظلّ غياب أيّ إمكانيّة أخرى، وبالتالي يريدون إنضاج وضعية إقليمية تقوم بالمهمّات المطلوبة ولا تضطرّهم للتدخّل. ومن هنا يصبح تقوية موقع السعودية مسألة حيويّة بالنسبة إليهم.

سادسا، الانخراط الأميركيّ مع المنظومات العربية بات أكبر على المستوى النوعيّ وليس فقط الكمّي. ففي ظلّ الثورات العربية انتقلت الشراكة بين الولايات المتّحدة وأنظمة الاعتدال إلى شراكة مع العرب والمسلمين تتخطّى واقع الأنظمة، وهي شراكة مع الشعوب تتجسّد بعلاقة جديدة مع العالم العربي والإسلامي، والاتّجاه هو إلى تعزيز هذا التوجّه.

سابعا، ثمّة تجاوز للتحفّظ الإسرائيلي، خصوصاً أنّ الأخيرة لا تحبّذ هذه المسائل، وهي لا تستسيغ كلّ ما يعطى، في هذا الحجم، للعرب، بينما رأت الولايات المتّحدة أنّ ثمّة ضرورة لهذا الدعم، ومن الثابت أنّ رؤيتها للمنطقة بدأت تتبدّل، إذ كانت نظرتها تتركّز على أولويّتين: أمن إسرائيل وأمن النفط، وقد أدخلت بفعل الثورات العربية أولويّة ثالثة وهي العلاقة مع عرب المنطقة ومسلميها، وهذا ما يجعل العلاقة مع السعودية ترتفع إلى مستوى آخر.

ثامنا، ثمّة إحساس متزايد عند العرب بالخروج من مرحلة التهميش والانتقال من الدور المتفرّج الى دور الشريك بالقرار، والدليل دور الجامعة العربية التي استعادت وزنها وحضورها، كما حرص مجلس التعاون الخليجي على فرض توازن الرعب مع إيران.

تاسعا، لا يخفى على أحد وجود مناخ من التعبئة والتحشيد من أجل قيام نظام إقليمي جديد يعيد للعرب دورهم المركزي في هذه المنطقة بعد أربعة عقود من الشلل تمكّنت بنتيجتها طهران من "سرقة" القضيّة الفلسطينيّة لحسابها وليس لحساب الفلسطينيّين، وبالتالي هذا الفراغ سيتمّ ملؤه من أجل إقامة نوع من التوازن بين اللاعبين الأربعة في المنطقة: إسرائيل، إيران، تركيا والعرب.

عاشراً، لقد تبيّن بنتيجة الثورات العربية أنّ علاقة الإخوان المسلمين وحتّى السلفيين مع إسرائيل هي أسهل من علاقة الأنظمة السابقة بإسرائيل، إذ إنّ أولويّة هذه الحركات وطنيّة ً، وتريد نسج علاقة استراتيجية مع واشنطن، وبالتالي تسعى الأخيرة لاستكمال هذه الصورة، ما سيدفع باتّجاه مزيد من الدفع على مستوى المسارات السلميّة، أو إنتاج صيغة جديدة من العمليّة السلمية، وسيكون سلماً فعليّا، ولكن حتى تستوي هذه الوضعيّة ستشهد المنطقة خضّات على يد إيران التي تنازع…