عــائــشــة.. واللبــنانيــون – جهاد بزي – السفير

هذا محرج فعلاً، إن لم يكن مضحكاً.

هاج البلد وماج، في الأيام الأخيرة، تداركاً لفتنة قد تنشأ عن رد مستفز من شيخ سني على كلام مستفز لشيخ شيعي.

شيخان ينبشان أول تاريخ دينهما الواحد، ويدوّرانه كيفما أرادا، كي ينال واحدهما من طائفة الآخر، في هذه اللحظة، وبالسياسة، قبل أي أمر آخر.

«قتال» كهذا، يستدرج التاريخ، ليس جديداً ولا مبتكراً ولا ذكياً. فالقبور هي المكان الأمثل للنبش في سبيل استثارة الآخر ولإخراجه عن طوره. والموتى هم أفضل الخصوم، أولاً لأنهم مقدسون، وثانياً لأنهم عاجزون عن الدفاع عن أنفسهم، كما عن رواية الأحداث كما هي، أي كما حصلت فعلاً قبل زهاء ألف وأربعمئة عام.

وإذا كان من السخف تسفيه ذاك الخلاف، فقط لأنه معقد ومغرقٌ في القِدم، فإن الأكثر سخفاً هو مستوى النقاش الذي دار بعد التعرض لأهل البيت إثر التعرض للسيدة عائشة. فقد اتفق «عقّال» الطرفين على أن مسّ هذه الرموز يقع في خانة المحرمات، وهو الشأن البديهي الذي لم يتعداه إلى أصل الموضوع الذي لم يجرؤ على مقاربته أحد، لمعرفة مسبقة بأن هذه المقاربة الهادئة باتت، على ضرورتها المطلقة الآن، شبه مستحيلة.

ليست السيدة عائشة هي سبب الأزمة، ولا أهل البيت. وتحقير مذهب لمعتقدات الآخر، ورموزه، ليس حديثاً، وليس مقتصراً على رجال الدين فقط، بل على الأغلبية التي تتوارث الحكاية مشبعة بموروثات الخرافة والخلط بين التاريخ والأسطورة، والأحقاد والثارات، وهي إذ تتحدث فيها، تكاد تسقط عليها الخلافات مع الجيران، وهي إذ تناقشها، تجدها شأنا شخصياً، ومن باب النميمة، ولا يحتمل أكثر من السباب والسباب المضاد.

المقاربة المؤجل خوضها، هي في الشرخ العميق الآخذ بالتجذر والاتساع بين الطائفتين الكبريين في بلد يبدو كأنما لم يعد يتسع لا لكبرهما، ولا لصراعهما المتفاقم. هذا الصراع الذي ينبغي أن يجد عندهما من يبحث عن البحث في كيفية معالجته بما يتعدى الركض صوب نار صغيرة يثيرها شيخان كي لا تصل إلى هشيم بأمس الشوق لأن يشتعل.

الشرخ الذي من حسن حظه، ومن سوء حظ البلد، أنه لا يجد إلا ما يغذيه، من الخيارات السياسية المتناقضة لكل طائفة، إلى التنافس الشرس على السلطة، إلى ارتباطاتهما الإقليمية المعقدة، إلى انتظارهما المرّ للآتي في سوريا ومنها وإليها، ووعيد كل واحدة منهما للأخرى، وهو وعيد بعضه مستور ومعظمه معلن، ولم يعد يحتاج إلا إلى خطوة واحدة إضافية، لا احد يعرف حجمها، ليقع الانفجار الذي لن يكون لأحد غير الطائفتين دخل فيه، لا عائشة ولا الحسن ولا الحسين، ولا حتى سوريا بطبيعة الحال، وإن كان هؤلاء، وغيرهم، سيستخدمون حججاً وأسلحة قتال.

وهو صدع ساهم الجميع في توسيعه من سياسيي الطائفتين على اختلاف انتماءاتهما، إلى حلفاء كل منهما، من الطوائف الأخرى، إلى الإعلام، إلى آخر شيخ في آخر زقاق يغسل العقول وهو يؤمن بأنه إنما يضع المفتاح في باب الجنة ويفتحه لهم.

وفي سياق عام ممتد من سنة 2005، لم تبدِ الطائفتان حرصاً على «وأد الفتنة»، على الرغم من عشق الجميع لهذا المصطلح، حد تجفيفه من أي مضمون. وهما لا تعملان إلا على تأجيل وقوع الفتنة. واذا كان لا مصلحة لدى القائمين على الطائفتين، بإنهاء الصراع، أو لا قدرة لديهما على ذلك، فإن كل صدام، كبر إلى حدود السابع من ايار، او صغر إلى حدود قتال بين شابين في قرية، أو شيخين في مسجدين، سيظل يثقل ما في القلوب، وكلما كبر هذا الثقل، كلما استحالت إزاحته.. وكلما زاد معه احتمال الانفجار.

النقاش حول السيدة عائشة وأهل البيت كان يفترض به أن يكون محرجاً لأبناء الطائفتين من اللبنانيين الذين يدّعون دوماً أنهم أكثر حداثة بكثير من محيطهم العربي، فإذا بهذا المحيط يسبقهم. وهو نقاش كان يفترض أن يكون مضحكاً لأنه فُتح، بلا مقدمات، ونوقش باستخفاف، ومن دون الاستعانة لا بالتاريخ ولا حتى بمحرك البحث «غوغل»، وقد أغلق كما فُتح، بأنصاف اعتذارات، وأنصاف قبل للحى آخذة يوماً بعد يوم، في الذهاب طولاً، حتى تكاد تغطي على كل ما عداها.

كان يفترض بالنقاش أن يكون محرجاً إن لم يكن مضحكاً. لكنه لم يكن كذلك. فبينما لا أحد يبدو محرجاً من التطرق بخفة وجهل إلى الخلاف التأسيسي الذي وقع قبل 1400 سنة، فإن لا أحد يبدو مستعداً بدوره لأن يضحك من أسباب خلاف تبدو من الآنية والجدية والخطورة بمكان، بحيث انها لا تحتمل أي مزاح.