أسلحة وليد المعلم الفاسدة تفرقع من داخلها – وسام سعادة – المستقبل

قيل الكثير عن أسباب الهزيمة العربية في حرب فلسطين، وانتشر بعدها الحديث عن صفقة "الأسلحة الفاسدة" التي يروى أنّها كانت تنفجر عند استخدامها، ثم تبيّن أنّها كانت دعاية شعبويّة للتحريض على النظام الملكيّ والحياة البرلمانيّة في مصر بما يؤدي لاحقاً إلى تمكين العسكر، كما تبيّن أنّه في الأساس ليس هناك شيء يدعى "أسلحة فاسدة"، بل أسلحة متقادمة أو غير متكافئة، وفي ما بعد سوف يفضّل جمال عبد الناصر الحديث عن "أسلحة قديمة" ابتلي بها الجيش المصري في أيّام النكبة


لكنّ وليد المعلّم ليس سلاحاً متقادماً أو غير متكافئ أو معطوباً. إنّه دبّابة تُفرقع من داخلها ما أن يُعطى الأمر باستخدامها. تختلف حال الدبابة الديبلوماسيّة البعثيّة إذاً عن الدبابات الحربية، فخر الصناعة السوفياتية، التي يُقاتَل بها الشعب السوريّ الأعزل بشكل عام. الأسلحة الحربية التي يستخدمها الجيش البعثيّ، وفي مقدمّها أرتال الدبابات، تبيّن أنّ ثمّة مصلحة أكيدة للشعوب العربية، حتى بعد إنجاز ربيعها الديموقراطيّ الكبير، للإستمرار في عقد صفقات لشراء السلاح الروسيّ، وبالدرجة الأولى الدبابات. أمّا الأسلحة السياسية والديبلوماسية لهذا النظام، فمن المؤكد أنّها باتت الآن "أسلحة فاسدة"




في المؤتمر الأخير للمعلّم فرقعت دبّابته كذا مرة من داخلها من دون أن تتمكّن من إطلاق قذيفة واحدة. فناهيك عن الفضيحة الإعلاميّة المدويّة المتمثّلة بـ"الأشرطة الفاسدة" التي بثّها، فقد تطوّع المعلم في ثلاث مسائل اساسية للطعن في أهلية نظامه على الإستمرار لأشهر إضافية.
المسألة الأولى هي الدستور

تكلّم المعلّم عن دستور قيد الإعداد. قال حيناً أنّه سينافس أهم دساتير العالم، وقال حيناً آخر أنّه سيضاهي – كلّ ذلك والمعلّم يتلقى قصاصة ورق من مساعدين له يا للإخراج البعثيّ الفطن، ليطالع بها العالم أجمع أنّه أُعمِمَ بأنّ اللجنة المكلّفة توصّلت إلى مسودة دستوريّة عصرية تلغي المادة الثامنة من الدستور. فهكذا، ومن دون مؤتمر قطريّ، ولا جمعية تأسيسيّة، وعلى حين غفلة، يبطل البعث عن كونه "الحزب القائد في المجتمع والدولة"، بقصاصة ورق "يتفاجأ" بها المعلّم أثناء مؤتمره الصحافيّ، ويحرص على أن يطلع البشرية جمعاء عليها، علّ الأمم الديموقراطية تتحضّر إلى السباق المحموم، مع نزول الدستور السوريّ العصريّ المزعوم إلى ساحة المنافسة.. قريباً جدّاً!

لكنّ هل يعلم المعلّم ونظامه ما الذي تكلّفهم إيّاه هذه الورقة ؟ إنّه إعتراف صارخ من جانب هذا النظام بأنّه في كامل هيئاته وتفريعاته نظام كرتونيّ. حتى الجمهور البعثيّ الذي لا شكّ في وجوده في سوريا، مثلما كان هناك جمهور نازيّ في ألمانيا لسنوات بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، هو جمهور يستحق أفضل من هذا!

أمّا المسألة الثانية التي طعن بها المعلّم في أهلية نظامه على الإستمرار أشهراً إضافيّة فهي الإقتصاد. قال ما معناه أن سوريا بلد مكتفي بذاته انتاجياً، وأن التضحية ستقتصر على الكماليات. هذه أيضاً خطيئة قاتلة. المجتمعات العربية جميعها من أغناها إلى أفقرها هي مجتمعات نامية، وتركيا وحدها من بين دول الجوار تقوم بخطوات جبارة منذ عشرين عاماً لمغادرة هذا التصنيف، ولم تفرغ من ذلك تماماً. ما حدث إذاً أن المعلّم يكابر على المظالم الإجتماعية في المجتمع السوريّ من ناحية، ويبشّر البرجوازية المدينية المستكينة إلى الآن بأنّها أوّل من سيدفع ثمن العقوبات العربية. فإذا أضفنا إلى ذلك أنّ هذا النوع من الأنظمة طرح نفسه في الأساس لقيادة حركة التنمية، وأنّ التصحيح الأسديّ زاد على ذلك مزاعم حول المواءمة بين التنمية الموجّهة وبين اقتصاد السوق، فإنّنا نخلص بأنّ النظام يفكّك نفسه على هذا الصعيد

نصل إلى المسألة الثالثة: العروبة. وصف المعلّم اللحظة العربية الحالية ببالغة الرداءة. لكن لم يسبق يوم في تاريخ العرب الحديث أن انتشرت عدوى جماهيريّة ثوريّة بهذا الشكل من بلد إلى آخر، الأمر الذي يسلب من التصوّر البعثيّ والقوميّ العربيّ عموماً يومه الموعود، أي اليوم الذي تنزل فيه الجماهير العربية إلى الشارع في كل بلد عربيّ. طبعاً، الجماهير العربية نزلت في بلدان عدة هذه المرة، وبشكل متسلسل أو متزامن، إنّما ليسَ فقط ضدّ التصوّر البعثيّ، بل أيضاً ضدّ التصوّر القوميّ العربيّ، وباتجاه أولوية الأوطان من ناحية، وتعدّدية أبعاد الشخصية الوطنية لكل بلد من ناحية ثانية، وعلى أمل التمكّن من وعي التعدّدية الإثنية واللغوية والدينية أيضاً وأيضاً

بالمختصر، عندما وصف المعلّم اللحظة الراهنة ببالغة السوء عربيّاً، وعندما شنّع على الثورة الليبية بالتحديد، كانت دبّابته الفاسدة تفرقع بشكل تكاد فيه ان تنفجر، وهي بين لحظة والتالية ستنفجر، ولنا أن نردّد مع حازم صاغية ما انتهت اليه خاتمة كتابه الشيّق الصادر الآن بعنوان "البعث السوري تاريخ موجز" أنّ هذا النظام و"لأنّه زرع الكثير من الريح يُقدّر أن تأتي العاصفة قويّة جدّاً، معها يتعلّم السوريّون السياسة بشروط قاسية جداً، وفي طريقها تجرف، في ما تجرف، تلك اللعنة التي شكّلت عنواناً لكوارث وطنية متتالية وستاراً لكذب كثير: حزب البعث العربيّ الإشتراكيّ