لهذه الأسباب يلعب الفأر حالياً في «عبّ» جنبلاط – ابراهيم جبيلي – الديار

فجأة أصبح كل شيء في لبنان قابلاً للنقاش، وبات تمويل المحكمة الدولية أشبه بالفدية التي يدفعها شخص ما لقاء إطلاق سراح ابنه المخطوف، فمن خلال هذه المعادلات التبريرية، استبدل وزراء تكتل الاصلاح والتغيير، عناوين معركتهم بأخرى، كتصحيح الأجور أصلاً، وتحسين الاداء الحكومي، كما انهم استبدلوا اعتكافهم في الجلسة الوزارية السابقة، الى محاولتهم تطيير النصاب اليوم، كي يقطعوا دابر الشماتة لدى الخصوم، علماً أنه لو طارت جلسة اليوم، فالتمويل ينتظر، بعد أن حدد له رئيس قلم المحكمة سقفاً زمنياً، منتصف شهر كانون الاول.


وهكذا، ما ان كادت جبهة التمويل تهدأ، وأن تزيل الرابية تحفظاتها، وتوزع على أدوات التعطيل في فريقها، من وزراء ونواب، العناوين الجديدة لمرحلة ما بعد إقرار التمويل، حتى بدأ يلعب الفأر في «عبّ» النائب وليد جنبلاط، والهواجس تقض مضجعه، خصوصاً عندما اكتشف حجم الثمن الذي تريده قوى 8 آذار لقاء تخليها عن مواقفها في بند التمويل، فالقناعة أصبحت شبه راسخة لدى الزعيم الاشتراكي بأن محور الممانعة، قرر السيطرة على الأجهزة الأمنية في البلد بالكامل، وإن التعيينات في قوى الأمن الداخلي باتت لقمة سائغة في متناول حلفائه القادرين داخل الحكومة، وهم يعتقدون أنه من الطبيعي أن يبادل «الوسطيون» حلفاءهم الذين أشاحوا بنظرهم عن التمويل وسكتوا على تمريره، بأن يحصلوا في المقابل على مجلس القيادة في قوى الأمن الدخلي، وصولاً الى تحقيق أغلى الأمنيات، وهي الاستيلاء على فرع المعلومات.





ودائماً، الكلام للأوساط الاشتراكية، التي تؤكد بأن النائب وليد جنبلاط، لن يمشي ولن يسهّل هكذا بازار، وهو يعتبر ان استقالة الرئيس نجيب ميقاتي بسبب التمويل تبقى أسهل بكثير من الرضوخ للشروط الشرهة التي يصفها فريق 8 آذار، وتؤكد الأوساط بأن المحور الممانع يلعب حالياً داخل الساحة اللبنانية بذكاء شديد، فهو وضع العماد ميشال عون في الطليعة، يقاتل به كزعيم سياسي مسيحي، وهو خلفه، يحتمي بمتراسه المدعّم بعشرة وزراء، وهذا المحور قادر على سحبه من الميدان حين تدعو الحاجة والمفاوضات، أو عندما يبدأ النقاش الجدّي وتوضع الشروط لتحقيق الأهداف الحقيقية المرسومة للمعركة، ففي موقعة التمويل، تنكبّ العماد ميشال وفريقه الوزاري لمهام الاعتكاف والشغب الوزاري والشجار الاعلامي، ولما تغيّرت الأهداف، غيّروا له العنوان، فمشى يقاتل من جديد بشعارات جديدة، وهكذا تبيّن للحزب الاشتراكي بأن المحور الممانع استعمل من استعمل، لكن بهدف واحد وحيد، هو احكام القبضة الأمنية على لبنان.


وسألت الأوساط الاشتراكية، عن موقف رئيس الحكومة حيال محاولة 8 آذار استباحة البلد أمنياً، خصوصاً ان هذه الاستباحة ستمر بعد أن تمس وتطيح قوى الأمن الداخلي وتضع امرتها مع الفريق الآخر، فهل يرضى الرئيس نجيب ميقاتي التفريط بالمتراس السني الاخير الفاعل والباقي لأهل السنة، لاجل ذلك طالبت الاوساط الاشتراكية، الرئيس ميقاتي ان يجهّز استقالته مجدداً، لان الاستحقاق المنتظر خطير جداً وهو أشد مضاضة من تمويل المحكمة الدولية. خصوصا أن الأوساط لا ترى جبهة بعبدا على تماس مع التعدي الأمني الجديد، فالرئيس ميشال سليمان غير معنيّ بهذا الملف وبالتالي ليس مقاتلاً فيه، بل اكتفى سليمان بدعم مطلق لمبادرة الرئيس نبيه بري.


وتتضمن مبادرة الرئيس بري على سعيه الدؤوب لتخفيف الشروط المتناثرة من كل حدب وصوب، وهو في هذه الاثناء يدوّر الزوايا بعمل حثيث وشاق، وهو ينتظر حصول تطورات تعيد المنطق الى الطروحات المتداولة، وتؤكد الأوساط الاشتراكية بأن بري توقع، كما توقع جنبلاط، وصول الحلفاء داخل الحكومة الى هذا المصير، فمنذ اليوم الأول لتأليفها تكوّنت القناعات لدى بري وجنبلاط بأن هذه الحكومة «لا تهزها واقفة على الشوار» ومن خلال هذا الواقع استمرت تعمل بالحدود الدنيا، لكن تسارع التطورات العربية والسورية تحديداً، سرّع من ارتجاج هذا الائتلاف الهجين.
وغداً، لن نفاجأ في المستقبل القريب، تضيف الاوساط الاشتراكية، ان يبادر العماد ميشال عون الذي سكت عن التمويل، ويطلب البت في ملف التعيينات القضائية والامنية، وهو يتكل على «تربيحنا جميلي» في ملف التمويل وما علينا سوى الرضوخ والموافقة على لوائحه، فتمتلئ الادارة اللبنانية، وتحديداً المراكز الأمنية والقضائية بأسماء تدين بالولاء السياسي لمحور الممانعة، وهذا أمر مرفوض من قبلنا، وبالتالي مرفوض من رئيس الحكومة، او هكذا نتصور موقف الرئيس ميقاتي.


وتشرح الأوساط، ان موقف النائب وليد جنبلاط في افتتاحية الانباء، نابع من قناعة لديه، بضرورة طمأنة حزب الله والوقوف الى جانبه اثناء هبوب العاصفة التي تضرب سوريا، وهو يعتبر ان المعالجات المنبرية والخطابية لقضية السلاح هي عقيمة، وتهدد السلم الاهلي، كما ان جنبلاط يرفض ايضاً محاولات العزل التي يقوم بها بعض الحلفاء داخل حكومته لتيار المستقبل وفريق 14 آذار، عبر اتخاذ التدابير الكيدية بحق فريقه السياسي الموجود في الإدارة اللبنانية، وهنا، تدخل في حسابات جنبلاط الشؤون الانتخابية خصوصاً أن تحالفاً وثيقاً وواقعياً بين المستقبل والاشتراكي، يرفض فيه الاثنان «بدعة النسبية» في القانون الجديد.


ولا تنسى المصدر الاشتراكية، ان الزعيم الدرزي لن يفرّط مجدداً بعلاقاته مع المملكة العربية السعودية، التي رممها ببطء شديد، ولن يساهم من جديد بخربطتها خصوصاً اذا سمح للآخرين بالاستيلاء على مقدرات أهل السنة في التعيينات أم بالموافقة على لوائح الإقالات التي جهزت انتقاما وكيديا.