المسألة أبعد من الحكومة والمحكمة – رفيق خوري – الأنوار

كما في المأزق كذلك في البحث عن مخارج: كل السياسات على حافة الهاوية. وكل يوم يبدو كأنه عشية يوم الدينونة. فلا تناقض المواقف من تمويل أو عدم تمويل المحكمة ظهر أمس أو كان صاعقة في سماء صافية

 ولا المخارج التي يتكثف العمل لها في ربع الساعة الأخير كانت مجهولة في انتظار خروج الأرنب من كم الساحر. واذا كان الرهان على التأجيل مفيداً في بعض الأحيان، فإن الوقت ليس دائماً أفضل مستشار. حتى التوصل الى مخرج بمعجزة، فإنه ليس بوليصة ضمان للامتناع عن العودة الى حافة الهاوية في أي موضوع




ذلك أن المسألة أبعد من أن تستقيل أو لا تستقيل الحكومة، ومن رفض أو إقرار التمويل. المسألة ان الحكومة واقعة في الارتباك حيال الدور الذي جاءت من أجله، وعاجزة عن الوظيفة الطبيعية لأية حكومة، وهي ادارة شؤون الناس. فالظروف والحسابات المحلية والاقليمية التي جاءت بها عبر كسر التوازنات تبدلت، وإن بقيت الأهداف. والصراع على الأدوار والحصص والمشاريع بين أركانها جعلها عاجزة عن العمل والنجاح في الامتحان الاجتماعي والمالي والاقتصادي قبل السياسي. وكل سلطة لا تمارس هي سلطة مفقودة كما تقول الحكمة التقليدية

والمسألة الأكبر هي أن التحولات الدراماتيكية من حولنا هزت المعادلات التي اعتدنا التفكير والتدبير من خلالها على مدى عقود. فما نواجه به المتغيرات ليس فقط الانقسام حولها بل أيضاً الرهان على اتجاهين لكل منهما مخاطره. الأول هو الدعوات الى السكون والهدوء وسط كثير من الهواجس وقليل من الآمال. والثاني هو الاندفاع والتحرك من ضمن الاستقطاب وأوهام المشاركة في الأحداث من دون القراءة الجيدة في المتغيرات. الاتجاه الأول ليس واقعياً لأن لبنان ساحة للصراعات وشديد التأثير بها وعديم التأثير فيها. والاتجاه الثاني يقودنا الى دفع ثمن باهظ لسوء القراءة في المرحلة الجديدة، بعدما دفعنا ثمن سوء القراءة في المرحلة الماضية

وليس سراً ما يقال من أن الرئيس نجيب ميقاتي أنقذ الرئيس سعد الحريري من تحمل تبعات صعبة، وأوقع نفسه أو أوقعه حلفاؤه في ورطة

فلا هو يستطيع، لأسباب شخصية ومحلية وعربية ودولية، التراجع عن موقفه من الوفاء بالتزامات لبنان الدولية. ولا حزب الله يستطيع التراجع عن موقفه الثابت من رفض المحكمة أساساً قبل التمويل. واذا قيل ان لبنان في حاجة الى حكومة تعمل لا الى حكومة تستقيل، فإن الواقع الضاغط يجعل القدرة على الاستقالة أكبر من القدرة على العمل. والمفارقة أن لا أحد يعرف ماذا يعمل بعد الاستقالة.