تحولات عميقة في المعادلة عززها الكلام الباريسي تجعل “حزب الله” وفريقه يعكفان على جردة “المكاسب” – إبراهيم بيرم – النهار

لم يكن أمراً بلا معنى في السياسة ان يختار الرئيس السوري بشار الاسد الرئيس سليم الحص ليبلغ اليه بكل صراحة واطمئنان ان الحوادث التي مرّت بها سوريا انتهت، وان المدن السورية "تستعيد استقرارها".

فالذين هم على تماس وتواصل مع دمشق وحلفائها الاقربين في لبنان، يدركون ان لهذا الاختيار في هذه المرحلة أبعاداً ودلائل ومغازي متعددة، أبرزها:

– ما يمثله الرئيس سليم الحص في الوسط السياسي اللبناني والعربي من قيمة معنوية ورمزية عالية، ومن صدقية ورجاحة عقل وشعور قومي ووطني لا يرقى اليه شك.

– ان دمشق تبعث الى دائرة خصومها على امتداد الساحة اللبنانية، برسالة يعرفون هم معانيها، ولا سيما ان دمشق وجهت ومازالت منذ اندلاع عاصفة الأحداث الدامية فيها، اصابع الاتهام لجهات لبنانية بالضلوع بأشكال متنوعة في هذه الأحداث وفي ديمومتها وتأجيجها أحياناً، ولهذا الأمر لدى المعنيين في سوريا ملفات عدّة تنطوي على العديد من الصفحات والاسماء والوقائع، سيأتي حين من الدهر ويماط اللثام عن تفاصيلها.

– الأهم في سياق ذلك ان النظام في دمشق وحلفاءه الآخرين في لبنان، ادرجوا في قراءتهم المعمقة لأبعاد الاحداث في سوريا اعتباراً وتحليلاً يقوم على دوافع أساسية للهجمة على سوريا، كانت بفعل ابعاد الرئيس سعد الحريري عن "دست" السلطة والحكم في أواخر الشهر الاول من السنة الجارية.

وعليه، فإن النظام اياه وحلفاءه انفسهم اعتمدوا على نظرية ان اسقاطهما الحريري في لبنان كان مقدمة لاسقاط ما اصطلح على تسميته بمحور الاعتدال العربي في معادلة الساحة السياسية اللبنانية، والذي اتسع خلال نحو عقدين من الزمن بموقع ووزن فاعلين في هذه المعادلة.

وفي لقاء أجراه الرئيس الاسد مع وفد من جالية سورية في احدى الدول العربية، قال صراحة ان سبب تصعيد العداء من جانب النظام القطري ضده وهو الذي كان على صداقة وثقى معه في السابق، هو عملية ثأر ضمنية من هذا النظام ومن دمشق لكونها ساهمت في إسقاط الرئيس الحريري.
وعليه لم يكن مستغربا بالنسبة الى قوى الاكثرية ان يسمعوا من خصومهم الالداء كلاماً فحواه ان "فرحكم" بإمساككم زمام السلطة لن يطول لان العصف الآتي والزلزال المدوي بفعل اسقاط النظام السوري بات مسألة وقت ليس الا.

وبناء عليه، ثمة في اوساط الاكثرية وبالتحديد في اوساط حلفاء سوريا الاقربين من يحلو له ان يتحدث في حلقاته الضيقة عن الاستقرار النسبي الذي بدأ في سوريا، والذي بلغ حداً دفع الرئيس الأسد الى المجاهرة علانية به، لم يكن سوى واحد من "سلسلة مكاسب" سياسية تتوالى منذ مطلع السنة الجارية، تحقق جزء منها بفعل اعداد وتحفيز مسبقين، فيما ظهر البعض الاخر بشكل تلقائي، فإذا كان اسقاط الحريري "ضرب شطارة" تقررت ظروفه ومعطياته عن سابق تصور وتصميم، فهو يظهر ان سوريا وحلفاءها في لبنان مضوا في هذا الخيار لأنهم استشرفوا بعضاً من نيات الآخرين، وأن قبول الرئيس نجيب ميقاتي التصدي لمهمة خلافة الحريري لم يكن في الحسبان، وتيقن هذا الفريق لاحقاً أنه كان "توفيقا" غير منتظر فاق بالنسبة اليه "مكسب" اقصاء الحريري عن "دست" السلطة.

وإذا كان "صمود" النظام السوري في وجه العاصفة الهوجاء ضده منذ نحو 7 اشهر والتي رمت الى اسقاطه سريعاً بناء على معطيات ووقائع تقول بأن وضعه صعب، جاء بفعل قدرة رأس هذا النظام على استيعاب فصول الهجمة عليه، فإن الذي أتى من خارج حسابات محور دمشق وحلفائها الأقربين في لبنان هو هذا التحول الجذري في مواقف المرجعية الدينية المسيحية الأولى في لبنان والأقليم، ولا سيما بعد الكلام الذي اطلقه سيد هذه المرجعية إبان زيارته الرسمية لباريس، ثم جولاته في أقاصي البقاع والجنوب وفحوى الكلام الذي أطلقه هناك.

وليس من شك في أن تمسّك سيد هذه المرجعية بكلامه بعد عودته الى بيروت، أمام الضغوط التي مورست عليه من أكثر من جهة للتراجع عنه او تعديل بعض مضامينه، كانت "نصراً" آخر مؤزراً بالنسبة لهذا المحور.

وبالطبع جاءت القمة الروحية التي عقدت حديثاً في دار الفتوى لتجذر وتؤصل خيار هذه المرجعية وتوجهاتها على مستوى كل الطوائف وكل الوطن.

وما من ريب ان ثالثة الاثافي لهذا الفريق تجسدت بالامس القريب في النداء الذي صدر عن الاجتماع الشهري لمجلس البطاركة الموارنة، والذي انطوى على ما اسقط فكرة "لكم بطريرككم ولنا بطريركنا" التي روج لها بعض خصوم هذا الفريق لفترة معينة كرد ضمني على اصداء الكلام الصريح الذي قيل في العاصمة الفرنسية قبل أقل من شهر.

ان "المكاسب" المتأتية عن هذا الكلام هي بالنسبة الى هذا الفريق تتعدى حدود الساحة اللبنانية نظراً الى المكانة الواسعة على مستوى العالم المسيحي لهذه لمرجعية. وفي كل الاحوال فإن الثابت ان هذا "المكسب" المحقق المحلي ذا الصدى والبعد الأوسع الذي حققه هذا الفريق سيكتمل من الآن وحتى النهاية بمكسبين آخرين منتظرين. الأول ان "تبرأ" سوريا قريباً من ازمتها ومن تداعيات ورواسب هذه الازمة، والثاني، صورة الاقليم، اذا ما تحقق بعد نحو شهرين الجلاء الكامل للقوات الاميركية من العراق، حيث بالتأكيد ثمة مشهد آخر متكامل لبغداد بعد صدام والاحتلال الاميركي، فيه دور مميز تعد نفسها له، بالتعاون مع دمشق.

وبالطبع ثمة من يرى في غمرة هذه الحسابات التي تحتاج الى اثباتات أكثر، ان هناك تجاهلاً لمسألة المحكمة الدولية وتأثير سيفها المصلت في الحد من هذا التفاؤل المفرط، وعليه يجيب المعنيون بأن هذه المحكمة فقدت قيمتها وهالتها وصار تأثيرها اعلامياً منذ ان اصدرت قرارها الاتهامي ووقّع المدعي العام التمييزي قراراً فحواه ان المتهمين لم يعثر عليهم وفق قول المعنيين المباشرين بهذه المحكمة.