البطريرك الراعي والتغريد خارج “الربيع العربي” – مصطفى العويك

أثارت مواقف البطريرك الماروني بشارة الراعي العديد من الردود والردود المضادة، ذاك ان القائل راعيا لجماعة انسانية تتصف بالاقلية المسيحية في مشرق يكثر فيه المسلمون، ولأن العبارات التي نطق بها البطريرك الراعي شكلت صدمة للمسيحيين والمسلمين معا، ولم تقتصر الصدمة على الداخل اللبناني بل تعدتها الى العالم العربي ككل.

خلفيات تصريح الراعي!!

صرح البطرك الراعي من فرنسا انه في حال وصل المسلمون في سوريا الى الحكم سيتحالفون مع السنة في لبنان، وبالتالي سيشكل هذا التحالف خطرا كبيرا على المسيحيين في لبنان وسوريا، على اعتبار انهم سيغرقون في هذا البحر الممتد من سوريا حتى لبنان وسيذهبون ضحية لتحالف اسلامي-اسلامي لا يعترف للمسيحين باية حقوق وسيعاملهم كأهل ذمة.

بداية لا بد من الاقرار بان هواجس البطرك الراعي من تحول النظام السوري الى نظام اسلامي متشدد، تعد مفهومة ومقبولة وهي مخاوف يعيشها المسلمون قبل المسيحيين لان اي حكم اسلامي متشدد في سوريا يعني مزيدا من الفوض في لبنان، وسيكون بمثابة الغذاء السري الذي يخرج خلايا التنظيمات الاصولية النائمة في اكثر من منطقة لبنانية من كوخها. الا ان الحراك السوري المستمر منذ ستة اشهر لا يعطي اي مؤشر بأن من سيحكم سوريا بعد الاسد هي السلفية الجهادية التي تحارب الاسلام اكثر ما تحارب المسيحية، بل ان المسار الشعبي يجنح نحو مزيد من الحرية في اطار دولة مدنية ديمقراطية وهذا ما شددت عليه كل المجالس الانتقالية التي شكلت من قبل المعارضة السورية ومن ضمنها الاخوان المسلمين سواء في تركيا او في المؤتمرات التي عقدت في اوروبا، لذا فان اي تخوف على مصير المسيحيين في الشرق يعد لغوا وبحثا في غير الاطار الصحيح.

الا ان الخطير في حديث الراعي انه متيقن ان الانظمة الديكتاتورية كالبعث في سوريا على سبيل المثال، هي الوحيدة القادرة على حماية رعيته في لبنان وسوريا، وكانها أنظمة قائمة على احترام الاديان وخصوصيات الاخر وتقبل بالتنوع الفكري والسياسي، وهي اذا خرج من ضمن بيئتها الداخلية من يقول لا ولو سرا اودت به الى المقابر "منتحرا" لاسباب خاصة. وهنا نسأل ترى من الذي هجر المسيحيون من العراق؟ ومن الذي فجر الكنائس في مصر؟ واضطهد مسيحي لبنان وانهى اي دور للمسيحيين في سوريا؟ اليس الفاعل واحداً؟

مشكلة البطريرك الماروني انه ينظر الى "الربيع العربي" بعين سورية-ايرانية، ينظر اليه على انه مخطط اسرائيلي ليس الا، في الوقت الذي تسعى فيه اسرائيل جاهدة لاجهاض الثورة السورية لان انتصار الحرية في سوريا، سيشكل تهديدا مباشرا للحدود مع اسرائيل، اذ ان الشعب السوري سيتحرر من "الكبت العقلي" الذي اغرقه به نظام الممانعة، لينطلق بكلتا جناحيه محررا ارض الجولان التي تناسى آل الأسد انها تعود لبلادهم.

الأقلية المسيحية في الشرق، اقلية عددية لكنها في الوقت عينه أكثرية علمية وثقافية وسياسية، وفي لبنان خاصة هي مكون جوهري للدولة، ولايمكن لاحد القفز فوق هذه المسلمة التاريخية. الا ان البطريرك الراعي لا يقارب الموضوع من منحى سياسي بل من وجهة نظر طائفية بامتياز، لان التاريخ يعطي اجوبة واضحة عن كيفية حكم المسلم لغير المسلم، كما في حالة اهل الذمة على سبيل المثال التي يرفضها كذلك المسيحيين، ففي الحديث ان الرسول محمد قال: "من آذى ذميا فأنا خصمه، ومن كنت خصمه خصمته يوم القيامة"، وفي حديث آخر قال: " من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها لتوجد من مسيرة أربعين عاما"، وقد طبق المسلمون في كثير من المحطات التاريخية هذه الاحاديث، حتى ان من علماء المسلمين من طالب بتغيير عبارة اهل الذمة واستبدالها بكلمة "مواطنين"، كالشيخ يوسف القرضاوي الذي صرح: "يجب أن نراعي مقاصد الشارع الحكيم، وننظر إلى النصوص الجزئية في ضوء المقاصد الكلية، ونربط النصوص بعضها ببعض، مضيفاً الفقهاء المسلمين جميعا قالوا: إن أهل الذمة من أهل دار الإسلام، ومعنى ذلك بالتعبير الحديث أنهم: (مواطنون)، فلماذا لا نتنازل عن هذه الكلمة (أهل الذمة) التي تسوءهم، ونقول: هم (مواطنون)، في حين أن الخليفة عمر تنازل عما هو أهم من كلمة الذمة؟! تنازل عن كلمة (الجزية) المذكورة في القرآن.

اذن هل الخوف من الاسلام السياسي المستفيد الأول من هذه الثورات كما يقول البعض؟ ام ان هناك خلفيات اخرى لهذه التصاريح لا تخفى على احد خاصة وانا الراعي كان معروفا بانه من اليمين المسيحي؟

لا خوف على المسيحيين لا من الاسلام ولا من المسلمين، والقول بعكس هذا هو اهانة للمسلمين واتهامهم بما هم ليسوا عليه، اذ ان من قتل الاقباط في مصر هي ديكتاتورية الحزب الواحد وليس الاخوان المسلمين، ومن هجر مسيحي العراق هم حلفاء حزب الله الذين دخلوا بعض المناطق العراقية على ظهر الدبابة الأميركية، وليس السنة، وبالتالي فالخصم بات واضحا ولا غبار عليه.

وحتى بالنسبة للتيارات الاسلامية التي استفادت من الثورات العربية هي الاخرى قد بدلت وجهت نظرها ورأت ان الخيار الديمقراطي هو الضامن لصحة تمثيلها وحماية المجتمع بكل اطيافه، لذا انشأ الاخوان المسلمين في مصر حزبا سياسيا جديدا هو "العدالة والحرية"، مبتعدين بذلك عن التسمية الاسلامية كي لا يثيروا حفيظة ومخاوف اخوانهم الاقباط، كذلك في تونس مع حركة النهضة برئاسة الشيخ راشد الغنوشي وفي ليبيا التي صرح رئيس المجلس الانتقالي ان ليبيا بعد القذافي ستكون دولة مدنية ديمقراطية تتسع للجميع.

بعد كل هذا يسأل سائل: لما الخوف على المسيحيين وممن؟ ان اكبر تهديد للمسيحيين في المشرق هو بقاء الانظمة الديكتاتورية التي تتبع سياسة شد الحبال كلما دعت الظروف، فهي تارة تحميهم لان لها مصلحة في ذلك، واخرى تبيدهم لانهم انتفضوا وقرروا ان يطلقوا العنان لحريتهم، هذه الانظمة التي لا تعترف بالاخر ولا بحرية الرأي على عكس التيارات الاسلامية المعتدلة التي تطبق الاية القرانية:"لكم دينكم ولي دين"، وتحترم كل الاديان.

اذا كان خوف بعض المسيحيين في لبنان، من صعود التيارات الاسلامية وتسلمها الحكم، فهذا دليل على جهلهم في قراءة الاسلام وحضارته في الحكم، ومحبة للعيش في حرية مخطوفة تحت عباءة نظام الاسد واعوانه، وعليهم ان يدركوا ان موقفهم المتناقض مع تاريخهم "يعرض قضية الدفاع عن حقوق الأقليات في المنطقة الى مأزق أخلاقي فعلي"، اذ عليهم ان يعملوا حتى تحترم الانظمة السياسية الحاكمة حقوق جماعاتها، لا ان تلتزم هذه الجماعات مصالح الأنظمة.