صفير لن يَقْسم الكنيسة… ولا “قرنة شهوان” جديدة – طوني عيسى – الجمهورية

أثارت المشاركة المدوّية للكاردينال مار نصرالله بطرس صفير في قدّاس الشهداء مخيّلة كثيرين، فتعدّدت السيناريوهات التي ترسم مستقبل "التعايش" في بكركي، بين البطريرك الحالي مار بشارة بطرس الراعي وسلفه الكاردينال.

ولكن، في غرفة البطريرك السابق حيّز من الهدوء: "لا تذهبوا بعيداً في التأويلات. هناك كنيسة مارونيّة واحدة، ولها بطريرك واحد".




موارنة 14 آذار الذين "يحبّون" صفير الى حدّ التبجيل، ويقدّرون مواقفه وتضحياته ومبادراته التي أطلقت "ثورة الأرز"، لهم النظرة إيّاها، ويقولون: "البطريرك صفير لن يَقْسم الكنيسة، كما يشتهي البعض منذ زمن، لإضعافها. فليَطمئنّوا!"

هؤلاء يقولون أيضا: "لا "قرنة شهوان" جديدة. كانت تلك مرحلة تأسيسيّة لانطلاق الثورة. وفي أيّ حال، لم يتأخّر أداؤها يومذاك عن تلقّف العنوان الوطنيّ. وهي وإن كانت تحت رعاية بكركي، فقد انفتحت وطنيّا، وإطلاقها في 30 نيسان 2001 مهّد لاحقاً لمصالحة الجبل مع وليد جنبلاط، ثمّ لمشاركة الرئيس رفيق الحريري في لقاء البريستول.

إلى سيّدة الجبل مجدّداً

لكن هناك استعدادات لدى مسيحيّي 14 آذار لإصدار وثيقة سياسية في سيّدة الجبل – فتقا، في 23 تشرين الأوّل المقبل، لرسم الخيارات المسيحيّة إزاء "الربيع العربي". أليست هذه وسيلة للردّ على هواجس البطريرك الراعي وخياراته الأخيرة، ومن داخل حرم كنَسيّ؟

ذوو الوثيقة يرفضون هذه المقولة. وبالنسبة إليهم، لا شيء في إصدار الوثيقة يستدعي طرح أسئلة من هذا النوع. فمن بادر إلى هذا الطرح هو "لقاء سيّدة الجبل" وليس فريق 14 آذار. و"اللقاء" قائم في ذاته وله استراتيجيته التي يتحرّك على أساسها. ومعلوم أنّ هذا اللقاء ينعقد في المحطات التاريخية المفصلية لمناقشة خيارات ذات بُعدٍ سياسي- فكري، تنتهي بإصدار وثيقة توضع في تصرّف القادة السياسيّين والروحيّين لمناقشتها والاسترشاد بها، كإحدى الخُلاصات البحثيّة. وتشارك في اللقاء عادةً نُخَبٌ مسيحيّة، ويحضره قادة رأي من طوائف أخرى كمراقبين.

وعلى هذا الأساس سينعقد الاجتماع في 23 من الشهر المقبل. إذ يطرح "اللقاء" وثيقته للنقاش في موضوع "الربيع العربي" وخيارات المسيحيّين. وستكون المناقشات بعيدة عن الإعلام، ويصار في نهايتها الى إقرار الوثيقة، بعد إدخال التعديلات التي يقرّها المجتمعون. وتخرج بعد ذلك الى الضوء لتكون مادة بحثٍ سياسيّة – فكريّة.

وتكشف مصادر "اللقاء" أنّ هذه الوثيقة تحمل عنوانين أساسيّين: السلام للبنان، وخيار الدولة المدنية في لبنان نموذجا لما بعد النظام العربي القديم. وفي هذين العنوانين ما يكفي من المضامين لتقديم أجوبة للسائلين عن مستقبل المسيحيّين ودورهم بعد سقوط هذا النظام.

المصادر تستشهد بالسؤال الذي طرحه رئيس حزب "القوّات اللبنانية" الدكتور سمير جعجع في قدّاس الشهداء: "هل ننكفئ نحن المسيحيّين عن الشرق في اللحظة عينها التي بدأ فيها هذا الشرق يشبهنا؟"، وتؤكّد أنّ مواجهة الهواجس لا تكون بالهروب الى التقوقع، بل بالهجوم الإيجابي والمبادرة الى المشاركة في صناعة الشرق الجديد.

وهذه الخلاصة هي التي ضمنت استمرار المسيحيّة والمسيحيّين في الشرق على رغم التحدّيات التي هدّدت مصيرهم. والكنيسة جزء من الوعي المسيحيّ للتاريخ، مهما تبدّلت الوجوه.