ما لن يستعاد – سمير عطا الله – الشرق الاوسط


سوف تستعيد ليبيا مع الوقت بعض المال المنهوب. وسوف تعيد بناء المؤسسات الطبيعية. وسوف تعيد أصول الحكم من خيمة الفرد المزركشة إلى دوائر الدولة. وسوف تستعيد موقعها بين الأمم، ولن تعود مكروهة أو مرعبة أو منفرة أو مخيفة. وسوف تتوقف جامعاتها عن تدريس المفكرة المعروفة بـ«الكتاب الأخضر» لتعود إلى مناهج العلم والفكر والتاريخ. وسوف تعود الصحف إلى الصدور من دون تهريج موحد، ومقالات باسم مستعار تحرض الناس على بعضها البعض. وسوف ترتفع البيوت في هذا البلد الغني بدل أن تظل مظاهر العمران في طرابلس لا تزيد عليها في الخرطوم.




سوف تستعيد ليبيا أشياء كثيرة، لكنه ذر سنوات كثيرة في الريح والمقابر الجماعية والنكات البليدة والمسرحيات المملة على الفضائيات. لن نعرف كم طاقة بشرية دمرت في ظله. لا نعرف كم موهبة ضاعت ومنعت من الظهور. لن نعرف كم من الفرح والبهجة والحرية حبس عن ملايين البشر. لن نعرف عدد الكتاب والشعراء والروائيين والصحافيين الذين امتنعوا عن الظهور خشية أن يجبروا على النشر في «الفجر الجديد» أو «الجماهيرية».

تلك هي الكارثة الكبرى التي يحدثها الديكتاتوريون في استبدادهم الأعمى وشبق الطغيان وتحول «الأنا» إلى عبادة جنونية بلا ضوابط أو معالجة أو طبابة. يقول أندريه مالرو إن عقلية الإنسان تتغير كل جيل (30 عاما) وفي أربعين عاما ليبيا أمام رجل واحد، لا يعقد جلسة لمجلس الوزراء. يخافه رفاقه والمقربون إليه. والمعارضة الوحيدة التي سمح بها من دون قتل أو خطف كانت معارضة الدكتور سيف الذي حمل الدكتوراه من لندن وعاد ليتحدث بلغة «كانوا يلعقون أحذيتنا».

تأملت مشاهد البيوت في طرابلس وبنغازي ومصراتة كما تأملت مشاهد البيوت في بغداد وفي الاتحاد السوفياتي وفي اليمن. كأنما النفط لم يمر بليبيا إلا إلى أهل اللجان الشعبية العظمى. كم من السنين ضاع على ملايين البشر. كم من الشخصيات والرجال كان يجب أن يكونوا في بناء ليبيا وتقدمها، لو لم يقبض عليهم ويسلمهم إلى سيف والساعدي وخميس وهنيبال ويفوض الباقي إلى أحمد قذاف الدم، الذي كان يجول في أوروبا ومعه عصا ذات رأس غليظ مثل عصي ملوك أفريقيا!

سوف تعود الدولة إلى ليبيا لكن كم فقدت من رجالها. كم بددت من الزمن والمال والمستقبل. كم خسرت ليبيا، قبل هذا الفوز المر!