اتجاهات الأزمة في سوريا تبرز في لبنان بين تقويمين متناقضين النظام تخطى الخطر أم يلعب في “الوقت الإضافي” الأخير؟ – روزانا بومنصف – النهار

تتفاعل في بيروت مواقف متناقضة مما يجري في سوريا باعتبار ان العاصمة اللبنانية هي الاقرب جغرافيا الى العاصمة السورية، وهناك اتصالات متواصلة من حلفاء سوريا في لبنان بمسؤولين سوريين يحرصون على طمأنة هؤلاء الى متانة وضع النظام السوري وعدم اهتزازه، على عكس ما توحيه المواقف السياسية والديبلوماسية الاقليمية او الغربية. يقول هؤلاء ان قضية الغرب ضد النظام في سوريا لا اهمية لها من حيث قدرتها على التأثير فعليا فيه نتيجة اعتبارات عدة تنطلق من غياب الموقف الدولي ليس بالاستناد الى موقفي روسيا والصين وبعض الدول الاعضاء غير الدائمة في مجلس الامن كالبرازيل وجنوب افريقيا فحسب، بل ايضا بالاستناد الى مواقف الدول الغربية نفسها غير المتوافقة على موقف موحد من النظام السوري. والدليل الاحدث على ذلك ما اعلنته وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون يوم "جمعة لن نركع" في سوريا التي وقع فيها عدد اضافي من القتلى نتيجة العمليات الامنية، ان الرئيس السوري بشار الاسد فقد شرعيته وطلبت من الدول التي تستورد النفط والغاز من سوريا فرض عقوبات على هذه الاخيرة، في وقت كان وزير الخارجية الايطالي فرانكو فراتيني يشترط على الرئيس السوري لكي يصبح النظام محاوراً مع المجتمع الدولي من جديد، ان يضمن حقوق المعارضين وحقهم في التظاهر السلمي.

ويقول المتصلون بالنظام السوري ان مسألة التظاهرات اليومية غير خطرة ويمكنه معالجتها لاحقاً، كما انه لا يستهين بالمواقف الدولية التي سيخوض المرحلة المقبلة لمعالجتها، وهو ما سيقوم به قريباً. الاّ ان ارتياحه الى وضعه وطمأنته حلفائه في لبنان الى ذلك يستند الى نقاط ابرزها:

– انه سيطر نهائيا على الوضع وعلى ما يعتبره نواة نشوء عمليات مسلحة تستهدف النظام وتشكل خطراً عليه في حماه ودرعا وادلب وعدد آخر من المدن السورية على نحو ازال عنه الخطر كما ينقل عن النظام بحد معقول من الخسائر، وخصوصا ان الرهان على ابتعاد الجيش السوري عنه قد سقط وفقاً لما يقول هؤلاء. وتاليا فان اي محاولة انفصالية وخصوصا في المدن الحدودية مع تركيا او مع لبنان والعراق كما يقول قد قضي عليها في مهدها ولا قيام محتملا لها في المدى المنظور. وكل ذلك قد أنجزه في غياب القدرة الغربية في أدنى احتمالاتها على اعتماد مقاربة مماثلة للمقاربة الغربية العسكرية مع ليبيا وفي غياب المعارضة السورية او عدم قدرتها على فرض حضورها وانجاز خطوات يمكن ان ينحاز اليها الغرب من اجل السير في تغيير فعلي. وتاليا يمكنه تبعا لذلك أن ينصرف الى خطوات اصلاحية لا يمكن الغرب الا ان يأخذها في الاعتبار متى بدأ تنفيذها.

– ان الولايات المتحدة الاميركية تواجه وفقاً لما ينقل هؤلاء صعوبات كبيرة في العراق على وقع الانسحاب المرتقب لما تبقى من القوات الاميركية من هناك، والتي ستحتاج فيها واشنطن الى مساعدة سوريا. اي ان النظام لا يزال يملك اوراقاً كثيرة بين يديه ينوي ان يستخدمها في الوقت الملائم، وهو بدأ ذلك. تضاف الى ذلك المشاكل الاميركية في دول الخليج وفي افغانستان، وما يبدو أن واشنطن تواجهه في موضوع الاعتراف المرتقب للجمعية العمومية للامم المتحدة بالدولة الفلسطينية بالتزامن مع ازمة مالية واقتصادية حادة تنسحب ايضا على الدول الاوروبية. ولذلك يقول هؤلاء ان عامل الوقت الذي كان دوما نصير النظام السوري منذ ما يزيد على اربعة عقود، لا يزال فاعلاً وقوياً من حيث توظيف النظام هذا العامل لمصلحته.

– ان الوضع الاقتصادي الذي بدا صعبا جداً في سوريا في الاشهر القليلة الماضية على وقع دعوة السلطات السورية المواطنين السوريين الى تقديمات معينة من اجل دعم الاقتصاد، قد تم تجاوزه بنجاح على رغم معاناة القطاع السياحي والصناعي صعوبات جمة نتيجة الاوضاع المضطربة. لكن هذا النجاح يتحقق نتيجة الدعم المالي الايراني المباشر وحض ايران حكومة نوري المالكي في العراق على فتح الحدود مع سوريا على نحو يسمح بتوفير كل الوسائل لدعم الاقتصاد السوري، فضلاً عن تقديم مساعدات مالية كبيرة داعمة للنظام السوري.

لا ينفي هؤلاء المتصلون بالنظام السوري وجود العامل الايراني في سوريا في معركة مصيرية خطرة بالنسبة اليه، بما يبدو معه سطحياً وساذجاً الرهان على الاستعانة بتركيا من اجل اي "طائف" سوري لا يمكن اقتصاره بالنسبة الى سوريا على ما كان "اتفاق الطائف" بالنسبة الى لبنان، لأن الموضوع أكثر تعقيداً وأكثر تشكيلاً لصورة المنطقة مما كان عليه الوضع في لبنان. فاذا كان هناك اي تفاوض على سوريا يقول هؤلاء، لا يعتقد أحد أن ايران يمكن أن تسلم احد سواها بأن يفاوض عن الورقة السورية.

يضاف الى هذه العوامل العامل الاسرائيلي الذي لا يعتقد هؤلاء ان الوضع الراهن في العالم العربي بما فيه الوضع في سوريا يمكن ان يزعجها، بل على العكس من ذلك بحيث ان الرهان الداخلي في لبنان او الخارجي في سقوط النظام يبدو اقرب الى التهور منه الى الواقعية بحسب ما يقول المتصلون بمسؤولين في النظام السوري.

هذا المنطق تدحضه معطيات وانطباعات ديبلوماسية تسري في المقابل في لبنان وخارجه ايضا على وقع معلومات تفيد أن النظام السوري يستفيد مما يسميه ديبلوماسيون "الوقت الاضافي" الممدد له، لأن وقته الحقيقي انتهى. وقد خرج هؤلاء بانطباعات بعد لقاء وزير الخارجية التركي داود اوغلو الرئيس السوري ان الاصلاحات التي وعد بها خلال أسبوعين هي أقرب ما يكون الى المعجزة الحقيقية، لغياب الثقة بقدرة النظام وارادته على الاصلاحات من جهة، ولعدم قدرته في الوقت نفسه على وقف عمليات قمع الاحتجاجات الشعبية، لأن وقفها يمكن أن يؤدي الى ما شهدته مدينة حماه قبل اجتياحها عسكريا، أي احتجاجات شعبية غير مسبوقة تظهر مدى عدم قبول الشعب السوري بالنظام. في حين تفيد المعلومات الديبلوماسية أن عمليات القمع اليومية تضعف أكثر فأكثر الموقف الدولي المتفهم لصراع النظام السوري على بقائه، وان روسيا ستكون حتى اعداد مسودة قرار محتمل عن مجلس الامن الشهر المقبل أكثر مرونة، رغم الرهان على مرونة باتت موجودة، وتاليا ان اي قرار سيفتح الباب على احتمال احالة النظام على المحكمة الجنائية الدولية بما يمكن ان يثقل عليه اكثر مما يتوقع ويتوقعه حلفاؤه في لبنان.