هل تغيّر «بروفيل» البطريركية ورئاسة الجمهورية وقيادة الجيش؟ – دنيز عطالله حداد – السفير

في تركيبة «الكيان» شكلت «السيبة المارونية» ضمانة واختزالا لوجدان المسيحيين ونظرتهم الى الدولة اللبنانية. والسيبة تقوم على سلطات ثلاث: البطريركية المارونية، رئاسة الجمهورية وقيادة الجيش. في ملحقاتها تندرج حاكمية مصرف لبنان والوزارات السيادية ووظائف الفئة الاولى التي كان للموارنة فيها الحصة الاكبر.

وعلى الرغم من ان الانسجام لم يكن دائما الصفة الاعم في علاقات من شغلوا تلك المناصب، إلا ان معظمهم كانوا يتشابهون في المفاهيم والمنطلقات ويترجمونها بأساليب مختلفة.

بعد الطائف تغيّرت «فذلكة» تشكيل السلطات. وفي حين حافظت البطريركية المارونية على ثبات موقعها، لاعتبارات يتداخل فيها الديني بالسياسي، تغيّر «بروفيل» رئاسة الجمهورية وقيادة الجيش. وهنالك من يقول اليوم ان «بروفيل» البطريركية نفسها تغيّر. فما الذي تغيّر فعلا؟ وكيف تنظر القوى السياسية، لا سيما المسيحية منها، الى دور وأداء كل من المواقع الثلاثة راهنا؟

تبدو الوسطية والبقاء على مسافة من جميع القوى السياسية هي التي تحكم أداء كل من البطريرك بشارة الراعي والرئيس ميشال سليمان والعماد جان قهوجي. لكنها، بالنسبة الى البعض «وسطية ضبابية». فـ«قوى 14 آذار»، خصوصا مسيحييها، يتعاملون بحساسية مفرطة مع المثلث القيادي. يقول أحد القياديين الآذاريين «ان حرص القيادات المسيحية في المواقع الاولى على إظهار حياديتها جعلها تبدو حينا بلا موقف واضح، وحينا آخر تساير، ولو عن غير قناعة من يملك سلطة السلاح على الارض». ويضيف «لا يمكن وضع الرئيس والبطريرك وقائد الجيش في خانة واحدة. لكل قراءته وحساباته ومنطلقاته. لكن الاكيد انه في الخلاصة يبدو الثلاثة اليوم أقرب الى «8 آذار» في الاداء السياسي».

يشرح القيادي محاولا تحييد البطريرك نسبيا: «لم يأت الراعي من مجهول الى سدة البطريركية. فللرجل مواقفه الواضحة في القضايا الوطنية. وهو يحمل كأسلافه، مخزون الوجدان المسيحي الذي يقدّس الحرية ويدعو الى إعطاء الاولوية لقيام الدولة وبسط سلطتها وعدالتها ومساواتها على كل لبنان واللبنانيين. لذا لا يمكن للبطريرك ان يقف يوما مدافعا عن السلاح خارج الدولة، ولا ان يعلن موقفا يتعارض مع ثقافة لبنان وانفتاحه على دول العالم، ولا ان يختار تحالف الاقليات في وجه الامتداد المفتوح الافق. لكن البطريرك يحاول اليوم سلوك دروب مختلفة عن البطريرك نصر الله صفير. ويقيني انه سيعود الى طروحات الاخير لكن بعد ان يكون استنفد كل السبل التي تجعله يبدو في محطات متبنيا لطروحات فريق».

يردد أكثر من مسؤول في «14 آذار» في معرض توصيف العلاقة مع رئيس الجمهورية وقيادة الجيش الآتي: «نتفق معهما حينا ونختلف أحيانا». يقول نائب معارض «منذ ما بعد الطائف يحاول البعض إطلاق صبغة التوافق على رئاسة الجمهورية. وقد لا يكون الطرح خاطئا في المبدأ. لكن الممارسة أثبتت ان الرئيس التوافقي لا يستطيع التمسك طويلا بوسطيته. وعند المفاصل نجده ينحاز إلى فريق دون الآخر. وهذا ينطبق أيضا على الرئيس سليمان، الذي نقدر جهوده للحفاظ على وسطيته لكنه لم ينجح دائما». ويضيف «لولا الحساسية الضمنية بين الرئيس وميشال عون، أحد مكونات 8 آذار، لما كان ميّز نفسه في بعض المواقف النادرة».

أما عن قيادة الجيش، فيسهب النائب في التعليق. «يحاول قائد الجيش الظهور بمظهر الضابط المتجرد. يقدم بعض الخدمات لقيادات في «14 آذار» كما يفعل مع «8 آذار». يشدد على ان استقرار البلد وأمنه خط أحمر في حين يعرف جيدا ان القرار الامني والعسكري في مكان آخر. وهذا ما يجعل من الصعب عليه أن يطور في قدرات الجيش أو أن يقنع العالم بتسليحه. وكما عاد بوعود كثيرة من فرنسا سيعود محملا بالوعود والاسئلة نفسها من الولايات المتحدة».

في المقابل، يجد مسيحيو «8 آذار» مبالغة في احتساب البطريركية والرئاسة وقيادة الجيش في خانتهم. ويقول نائب عوني ان الثلاثة يقومون بما تمليه عليهم مناصبهم. «قد نلتقي معا في الخطوط السياسية العريضة ولكن في التفاصيل لا يمكن القول اننا نتفق على معظمها». فصلاحيات رئيس الجمهورية تجعله، حتى لو أراد، عاجزا عن الحسم في أي قرار كبير. وهو في اللعبة الداخلية لا يمكن ان يجد له دورا خارج دور الحكم. والكلام عن انحيازه إلينا يدحضه سلوك طويل يبدأ من الانتخابات ولا ينتهي بالتسويات». يضيف «أما قيادة الجيش فهي منحازة حكما الى القرار السياسي. والقرار اليوم في يد الاكثرية الجديدة التي كرّست مقولة الجيش والشعب والمقاومة. وفي ما خصنا كتيار فهناك رابط عاطفي مع هذه المؤسسة أيّا كان من يترأسها». ويضيف «جان قهوجي ينحاز فقط الى جان قهوجي»!

وعن التلاقي مع الراعي يقول النائب العوني «يحاول البطريرك تجنب أخطاء من سبقه. وهو منفتح على الجميع بالقدر نفسه. نلتقي معه على الكثير من الامور الجوهرية والتفصيلية. وهو يحاول ان يجمع ويوحد وهذا ما لا يرتاح اليه كثيرون يريدون بكركي منحازة الى مواقفهم». ويتابع «لا تحتاج البطريركية الى من يبرر مواقفها ويدافع عن سلوكها، لكن ما استطاع البطريرك إنجازه في أشهر قليلة بسبب انفتاحه، عجز عنه آخرون عقودا».