حادثة إهدن: أية رسالة «قواتية» وأي جواب لفرنجية؟ – غسان ريفي – السفير

يبدو واضحا أن ثمة تناغما كاملا بين «تيار المستقبل» و«القوات اللبنانية» دون سائر مكونات 14 آذار، في الحراك السياسي التصعيدي الأخير، سواء في الهجوم على الحكومة أو على سلاح المقاومة، أو على «حزب الله» من باب المحكمة الدولية والمتهمين الأربعة في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، أو على المتعاطفين مع النظام السوري في لبنان.

واللافت للانتباه أن «القوات اللبنانية» قررت السير على خطى «حليفها الأزرق» في بعض المناطق المسيحية لا سيما الشمالية منها، لجهة التحريض والشحن الطائفي واستهداف بعض القيادات المحلية، سواء عبر جولات النائب أنطوان زهرا في عكــار والكــورة والبتــرون وبشري وزغرتا وخطاباته ذات النبرة السياسية المرتفعة، التي تشبه الى حد بعيد لهجة أمين عام «تيار المستقبل» أحمد الحريري ونواب «التــيار» في عكــار والضنية والمنية وطرابلس، أو عبر بعض الاستــفزازات المتنقلة على وقع هذا الخطاب الناري المستجد، والتي بدأت مع أنصار النائب السابق جبران طوق في بشري، وبلغت أوجها في الاعتداء المسلح على منــزل طوني سليمان فرنجية في إهدن، وذلك بالتزامن مع قيام مجهــولين بإطلاق الرصاص على الصائمين في منزل الشيخ عبد السلام الحراش في بلدة عيات العكارية والذي كاد أن يؤدي الى مجزرة، وما تزال التحقيقات في عهدة القضاء والأجهزة الأمنية اللبنانية، فيما لم تتضح حتى الآن أبعاد الرسالة «القواتية» لسليمان فرنجية برغم محاولة الطرفين التخفيف من وقع الحادثة واضفاء طابع فردي عليها.

ويبدو واضحا أيضا، أن «القوات اللبنانية» تسعى للاستفادة من مناخ المعركة المفتوحة التي يقودها «تيار المستقبل» ضد خصومه السياسيين في الأكثرية الجديدة، وذلك بهدف تصفية سلسلة حسابات سياسية قواتية مع خصوم في مناطق مسيحية شمالية مختلفة، ومحاولة استعادة بعض نفوذ فقدته خلال الفترة الماضية، والايحاء بأنها تشكل اليوم رأس المعارضة المسيحية للحكومة وأن باقي قوى 14 آذار المسيحية انما تدور في فلكها، فضلا عن سعيها الواضح نحو تشكيل ثنائية معارضة مسيحية ـ إسلامية تكون أكثر تناغما وانسجاما، على أن تتجنب في معركتها الجديدة الوقوع في أخطاء الماضي التي اعترف بارتكابها أحمد الحريري خلال الزيارة التي قام بها الى رئيس حركة الاستقلال في إهدن ميشال معوض على رأس وفد من نواب «المستقبل» وسط حضور «قواتي» لافت للانتباه، وذلك على مسافة ايام من حادثة اهدن الأمنية الغامضة.

وتشير المعطيات الى أنه في الوقت الذي تجاوز النائب القواتي أنطوان زهرا الخطوط الحمراء في خطاباته التحريضية التي غطت على مواقــف «أولياء الدم» في «تيار المستقبل»، فان البعض يحذر من تداعيات جراء تصاعد وتيرة هذه المواقف القواتية، وخير دليل ان بعض كوادر «القوات» (برأي المتابعين) «قد لامسوا المحرمات» عندما تجرأوا على إطلاق الرصاص على منزل طوني فرنجية في إهدن حيث جرح ثلاثة اشخاص إثنان من حرس المنزل وآخر من المهاجمين، «ظنا منهم أنهم بذلك يعززون حضورهم وصورتهم في زغرتا ـ إهدن وسعيا لأن تكون لهم كلمتهم في الاستحقاقات المقبلة، خصوصا في ظل رغبة رئيس «حركة الاستقلال» ميشال معوض والنائب السابق جواد بولس بــترشيح شخص ثالث من قرى «الزاوية» وليس من زغرتا مكــان المرشح يوسف الدويهي الذي يمثل «القــوات اللبنــانية»، والذي تبين أن مطلقي النار على منزل فرنجية في إهدن هم على صلة به..

ولا شك أن هذه الحادثة ما كانت لتمر مرور الكرام لولا الموقف الهادئ والحاسم في آن لرئيس «تيار المردة» سليمان فرنجية، خصوصا أن المنزل لم يكن مجهزا بالحماية الكاملة، لأن أحدا لم يكن يضع في الحسبان احتمال حصول اعتداءات من هذا النوع، لكن في الوقت نفسه فان هذا المنزل يحمل رمزية كبرى لدى الزغرتاويين كونه شهد قبل 33 عاما مجزرة إهدن التي أودت بحياة الوزير والنائب طوني فرنجية وزوجته وابنته، وهذا ما لا ينساه الزغرتاويون ويشكل بالنسبة لهم حساسية مفرطة قد تسقط معها كل أنواع المحرمات والخطوط الحمراء.

فأن تصل الرصاصات مجددا الى منزل طوني فرنجية الحفيد الآتي الى الزعامة الزغرتاوية، في الاستحقاق النيابي المقبل، ففي الأمر رسالة سياسية وأمنية واضحة الى النائب سليمان فرنجية الذي ينقسم مناصروه حول موقفه الهادئ حيال الحادثة، فيعتبر البعض أنه كان ذكيا وحكيما الى أقصى الدرجات وجنّب زغرتا وإهدن وقرى وبلدات الزاوية فتنة غير محسوبة النتائج، وحافظ بالتالي على الموسم السياحي وحركة الاصطياف وأرزاق الزغرتاويين، وذلك انطلاقا من مسؤوليته الوطنية كرئيس لتيار سياسي مشارك في الحكومة، فيما يرى البعض الآخر أن موقفه كان يجب أن يكون أكثر حزما وحسما وقوة باتجاه «القوات» التي تستمر في اعتداءاتها، وليس «في كل مرة تسلم الجرة».. كما أنه من غير الجائز بعد الآن أن يضبط سليمان فرنجية ايقاعه ربطا باستحقاق العام 2014 من دون أن يتمكن من اقناع قاعدته بحيثيات ما يقرر من خطوات.

ويشير المتابعون الى أن القيادة المردية أكدت بضبطها للموقف أنها لا تريد أن تعكر مناخ المهرجانات وموسم الاصطياف بما له من مردود كبير على أهالي المنطقة، فضلا عن استمرار تمسكها بسقف لا تحيد عنه لجهة رفض خيار الفتنة المارونية المارونية أو المسيحية المسيحية، وبالتالي، فان فرنجية أراد أن يقول بردة فعله أن الأمر لي وأنا من يقرر كيف يكون الرد ولا أسمح لأحد بأن يستدرجني الى منطق الفعل وردة الفعل.

ولا يمكن أن ينظر الى حادثة اهدن بمعزل عن المشهد اللبناني العام ولا سيما المسيحي، خاصة وأنه جاء على مسافة حوالي عشرة ايام من إجتماع القيادات المسيحية قبل أن يؤجل الى النصف الثاني من ايلول المقبل بطلب من البطريرك الماروني بشارة الراعي.

وتلاحظ بعض الأوساط السياسية الشمالية أن «القوات اللبنانية»، بدأت توسع من مروحة استفزازاتها في المناطق المسيحية شمالا تحت شعار معارضة الحكومة والتمسك بالمحكمة الدولية، وتبدي هذه الأوساط تخوفها من أبعاد ما تقوم به «القوات»، خصوصا أن الجميع لمس أن لهجة الاستنكار في البيان الصادر عنها حول حادثة إهدن الأخيرة، كانت أقل بكثير من موقف «تيار المردة» حيال إطلاق الرصاص على مرافق النائب فريد حبيب من قبل مجهولين في كوسبا ـ الكورة بداية الشهر الجاري، فضلا عن تجاهل «القوات» التعليق على حادثة إطلاق النار في عكار، برغم نشاطها الاستثنائي هناك من خلال نائبها أنطوان زهرا
..