ضربة المعلّم قبل اغتيال الحريري – فادي شامية

في إطار حقبة "الكيدية والكراهية"، التي وصلت ذروتها في الفترة التي سبقت اغتيال الرئيس رفيق الحريري، والتي أعادت "المستقبل" تسليط الضوء عليها، لما لها من أهمية في تلمّس معالم حقبة "الحقيقة والعدالة"، التي لا يريدها الفريق نفسه الذي رسم معالم حقبة كيدياته، تُلقي هذه الحلقة الضوء على الكيديات التي مهّدت مسرح جريمة الاغتيال، والدور الذي لعبته القوى اللبنانية الحليفة لسوريا في هذا التحضير، بعدما أنشأت خلية متخصصة- وفق وصف الرئيس الشهيد- لـ "فبركة" التقارير ضده، وتحريف الوقائع، واتهامه بالتآمر على سوريا و"المقاومة". كما تُبين بوضوح كيدية قانون الانتخاب الذي قسّم بيروت لضرب الحريري، والسبب الأساس الذي يُعتقد أنه كان وراء اغتيال الحريري أي القرار 1559.

ينطلق العرض التالي من المحادثة المسجلة بين الرئيس الحريري ووزير الخارجية السوري وليد المعلم في قريطم – نشرت صحيفة "الجمهورية" نصها الحرفي على حلقات اعتباراً من 8/8/2011 – والتي سبق لتقرير ديتليف ميليس أن اهتم بها، فأورد أجزاء منها في تقريره بتاريخ 19/10/2005، وهي محادثة هامة جداً، لأن الحريري أبلغ فيها المعلم – بصوته – ما يتعرض له من كيديات وتهديدات، وما يجري التحضير له، في ما يتعلق بالانتخابات والقرار 1559.




أهمية هذه المادة أنها ترتكز على جملة من الوقائع والوثائق المثبتة، والتي تعضدها الشهادات اللاحقة ومذكرات عدد من صنّاع القرار في العالم، فضلاً عن كونها تُظهر الشبه الكبير في الأداء الكيدي للفريق نفسه الذي كان يهدّد ويشكّك ويكتب التقارير، مع فارق أنه كان يحرّض نظام الوصاية على من يفترض أنه شريكه في الوطن، فيما هو اليوم يفرض وصايته بنفسه على البلد بقوة السلاح على من يفترض أنه شريكه في الوطن، دون أن يقلع عن أسلوب تزوير الحقائق، وتعبئة الرأي العام ضد خصمه السياسي، بما يتجاوز حدود الخصومة السياسية؛ من خلال زرع اتهامات التخوين، والاتكاء على نظرية المؤامرة، وادّعاء الطهارة المطلقة في مواجهة النجاسة المطلقة.

الوقائع الآتية تظهر بوضوح لماذا يستميت الفريق المناهض للمحكمة من أجل تدمير صدقيتها، بما أمكن من وسائل… ولو كان أكثرها غير أخلاقي وغير مشروع!
———–
على أثر مواقف متلاحقة أصدرها الرئيس رفيق الحريري، رافضاً فيها تعديل الدستور للتمديد للرئيس إميل لحود؛ طلب الرئيس السوري بشار الأسد لقاء الحريري. في ذلك الزمن كانت طريق سوريا تمر اضطرارياً ببلدة عنجر البقاعية.

موقف الأسد من التمديد غير قابلٍ للنقاش
في صباح 26/8/2004 مرّ رفيق الحريري في طريقه إلى سوريا برستم غزالة، فأبلغه الأخير أن الرئيس الأسد مصر على التمديد للرئيس لحود. تبلّغ الحريري الرسالة -المعلومة أصلاً- وواصل طريقه إلى دمشق على أمل عقد اجتماع جدي بين رئيسين، يبلّغ فيه كل طرف وجهة نظره للآخر. (سلّم رستم غزالة لجنة التحقيق الدولية رسالة أرّخها بتاريخ 17/8/2005 أكد فيها أنه التقى الحريري قبل ذهابه إلى دمشق وبعد عودته، وادعى أن الحريري كان مرتاحاً بعد عودته وأن لقاء الحريري بالأسد كان "ودياً").
لم يكن يتصور الحريري أنه "استدعي" إلى دمشق ليعامل بهذه الفظاظة، وليبلَّغ رسالة غير قابلة للنقاش: "أنا لحود ولحود أنا… إما أن تمدد وإما أن أكسر لبنان على رأسك ورأس وليد جنبلاط" (شهادة وليد جنبلاط للجنة التحقيق الدولية- تقرير ميليس في 19/10/2005).

لم يدم اللقاء أكثر من 15 دقيقة، قال فيه الأسد: "كنتَ دائماً تقول إنك مع سوريا. والآن حان الوقت لإثبات ما إذا كنت تعني ما تقول". قال الحريري: "سيادة الرئيس أنا مع سوريا منذ 25 عاماً، فهل تقول لي إنني إذا لم أسر معكم في هذا الموضوع، فهذا يعني أنني ضد سوريا؟!" الأسد: "نعم، لقد اتخذت قراري. لا تجبني الآن، فكّر وأبلغني". الحريري: "سأفكر".

يقول رفيق الحريري في وصف هذا اللقاء لمقربيه: "لقد كان هذا اليوم أتعس يوم في حياتي… لقد ذهبت إلى بيتي في فقرا وحسبت الموضوع من كل جوانبه، أضرب أخماساً بأسداس كل الليل وحيداً… وركبت الطائرة في اليوم التالي متوجهاً إلى المغرب، وعدت في اليوم نفسه إلى بيروت، ولأنني كنت معصّباً، وقعت في الحمام وكسرت كتفي". في هذه الأثناء يتصل بي (الرئيس الفرنسي جاك) شيراك ليطلب مني عدم السير بالتمديد في المجلس النيابي، فقلت له: اتخذت قراري بالموافقة على التمديد" (المحادثة المسجلة بين رفيق الحريري ووليد المعلم في 1/2/2005).

بدا المحيطون بالرئيس الحريري مذهولين من قراره الموافقة على التمديد، فأبلغهم بفحوى اجتماعه بالرئيس الأسد، وبأن الأخير هدده في حال التصويت ضد سوريا (أي ضد التمديد)، لأنه في هذه الحالة فـ"إن السوريين سيفجرونه، وأي من أفراد عائلته، وأنهم لن يجدوا الهدوء في أي مكان في العالم" (شهادة جبران تويني أمام لجنة التحقيق الدولية في 25/6/2005)، وبأنه قال له: "أخبر وليد جنبلاط (ألغي موعده مع الأسد لرفضه الموافقة على التمديد سلفاً) أنه إذا كان معه دروز في لبنان، فأنا لدي دروز في سوريا وأنا مستعد أن أفعل أي شيء" (شهادة غازي العريضي أمام لجنة التحقيق الدولية في 1/7/2005).

يقول الرئيس سعد الحريري في إفادته أمام لجنة التحقيق الدولية بتاريخ 9/7/2005: "ناقشت مع والدي الراحل رفيق الحريري، تمديد ولاية الرئيس لحود. وقال لي إن الرئيس بشار الأسد هدده وقال له: "هذا هو ما أريد. إذا كنت تعتقد أنك والرئيس شيراك تستطيعون إخراج سوريا من لبنان فأنتم مخطئون".

في 2/9/2004 ونتيجة إصرار الرئيس الأسد على التمديد، أصدر مجلس الأمن القرار 1559 الذي يدعو إلى عدم التمديد، وسحب السلاح غير الشرعي (اللبناني والفلسطيني)، وانسحاب الجيش السوري من لبنان. وفي اليوم التالي انعقد البرلمان اللبناني لتعديل الدستور والتمديد للرئيس إميل لحود، وقد وافقت كتلة "المستقبل" على ذلك، فيما استقال الوزراء: مروان حمادة، وغازي العريضي، وعبد الله فرحات، وفارس بويز من حكومة الحريري احتجاجاً على هذا التعديل الدستوري.

بعد ثلاثة أسابيع على استقالة حمادة من الحكومة تعرّض لمحاولة اغتيال في بيروت، أعقب ذلك استقالة الحريري نفسه في 4/9/2004، ليكلّف الرئيس عمر كرامي بتشكيل الحكومة في 20/9/2004.

الحريري يكاشف وليد المعلم
كانت البلاد على أبواب انتخابات تشريعية جديدة، وبدا واضحاً أن الحريري، بالتعاون مع حلفائه المسيحيين، سيكسب الانتخابات، وأن المعركة باتت أكثر من مجرد تجديد للحياة السياسية، بعدما أعلن الحريري نفسه أن "كلّ صوت في هذه الانتخابات سيحدّد مصير الاستقلال والسيادة" (18/1/2005)، وبعدما أعلن وليد جنبلاط أن: "الرأي العام لن يغفر لوليد جنبلاط ورفيق الحريري الرجوع إلى الوراء"، وأنه لا بد من نقاش جاد للعلاقات اللبنانية – السورية لإنهاء ذلك الشعار الإلحاقي القائل إن اللبنانيين والسوريين شعب واحد في دولتين" (26/1/2005).

في هذه الأجواء؛ تحادث رفيق الحريري مع وليد المعلم، المُعين حديثاً وزيراً للخارجية، فكان ذلك الحوار الصريح والهام، الذي اهتمت به لجنة التحقيق الدولية – كونه مسجلاً – لمعرفة الأجواء التي سبقت الاغتيال. كلام الحريري في اللقاء كان حاسماً: "لبنان لن تحكمه سوريا إلى الأبد، فقد وصلنا إلى مرحلة نؤذي فيها أنفسنا ونؤذي سوريا في كل القضايا".

اللقاء يلقي الضوء على أربعة موضوعات أساسية:
أولاً: كيدية قانون الانتخابات المفصل على قياس النظام السوري وحلفائه في لبنان.
ثانياً: التحريض المستمر على رفيق الحريري وكتابة التقارير عنه من قبل حلفاء سوريا.
ثالثاً: موقف النظام السوري من ميشال عون ورغبة الأخير في التواصل قبل عودته إلى لبنان.
رابعاً: القرار 1559 وملابسات صدوره وتداعياته.

في قانون الانتخاب؛ قال الحريري لوليد المعلم: "قانون الانتخاب ملتصق بكم. سليمان فرنجية عمل القانون، وقال لأشخاصٍ عددين – وآخرهم شخص من عندي-، أننا قسّمنا بيروت على هذا الشكل، إذا أراد الحريري التغيير فليعطنا كم نائب ببيروت". المعلم: "ما دخلنا". الحريري: "دخّلكن ونصف، هل تريد أن نجامل بعضنا؟ أنا أقول الحقيقة، بالنكايات والتكتكات سينشأ لبنان معادٍ لسوريا". (سبق للوزير سليمان فرنجية أن أعلن بشكل سافر، في مقابلة تلفزيونية في 24/1/2005، أنه في حال تحالف المسيحيون مع الحريري، ولم يسهموا بإيصال مرشحي الموالاة في بيروت إلى المجلس النيابي "سنعيد تفصيل قانون الانتخابات لاعتماد المحافظة دائرة انتخابية").

يضيف الحريري -في موضع آخر من الحوار-: "جنبلاط حليفي، وقلت له إنني مش قاطع مع سوريا، أنا مختلف معهم وطالع ديني من تصرفاتهم. أنا قومي عربي قبل كل الناس، لكن أنا مختلف معهم وأشعر بالقهر… هل تعلم أن هناك تدخلاً في الصغيرة والكبيرة في البلد، (حتى) مدير مستشفى أنتم تعينونه ولو كان سارقاً"؟

في ما يتعلق بالتحريض المستمر على الحريري لدى النظام السوري؛ لفتت صراحة المعلم الذي قال: "توجد نظرة سلبية ضدك، لجهة أن المعارضة لم تكن لتقف على رجليها لولا رفيق الحريري، وأن تيار المستقبل في المعارضة ويتحرك برضا من الحريري". الحريري: "صحيح… منذ أربعة أعوام وأنا أقاوم التقارير، وقد استسلمت لأنني لا أستطيع مقاومتها، فالتواصل معكم مقطوع، وكذلك مع الرئيس بشار الأسد. هناك أشخاص من جماعتكم في لبنان، يملكون خلية متخصصة برفيق الحريري وبإرسال التقارير. المعلم: "أوصلوك إلى الزاوية". الحريري: "لماذا؟ من أوصلني؟" المعلم: "نحن والأجهزة هنا".

هذا الجزء من الحوار كان محط اهتمام لجان التحقيق الدولية، وقد أورده ديتليف ميليس حرفياً في تقريره الصادر في 19/10/2005 تحت عنوان: "الخلفية السياسية للاغتيال".
في الموقف من عون يكشف الحوار، وبشكل موثّق، رأي النظام السوري برئيس "التيار الوطني الحر"، و"ترفّعه" عن التفاهم معه، رغم رغبة الأخير بذلك. يقول المعلم: "أتى إليّ شخص يدعى غبريال عيسى ناقلاً إلي رسالة خطية منه (عون)، يدعونا فيها إلى اجتماع، فقلت له نحن نرفض، فقال لي العماد يريد حواراً مع سوريا، فأجبته أنني لا أقبل أن أتحاور معكم، وأنتم تضعون يدكم في يد اللوبي الإسرائيلي". الحريري عن عون: "جايي لهون ومعتبر إنو بدو يقسم المعارضة". المعلم: "إذا أتى سيخرب لبنان مجدداً".

أما ظروف صدور القرار 1559؛ – وهو القرار الذي يُعتقد أن الحريري اغتيل من قبل القَتَلة على خلفية اتهامه بالضلوع في إصداره – فقد بدت دقيقة في سرد رفيق الحريري لها، خلافاً للمعلومات المغلوطة التي زُوّد بها المعلم. يقول الحريري: "فاروق (الشرع) اتصل بـ(ميغيل أنخيل) موراتينوس وطلب منه تأجيل الجلسة (جلسة مجلس الأمن) 24 ساعة… وقال له نحن نحاول التوسط مع الفرنسيين ولا يستجيبون، ونريد مساعدتك، فقال موراتينوس أنا حاضر، فقال فاروق: نحن من جانبنا لا نسير في التمديد مقابل أن توقف فرنسا وأميركا قرار مجلس الأمن، على أن نتفاهم سوية بعدها على شخص رئيس الجمهورية ونبحث في الوضع اللبناني" (هنا قال المعلم: والله أنا عندي خبر أن العكس هو الذي حصل، أي أن موراتينوس اتصل بالشرع). أضاف الحريري: "يخبر موراتينوس الفرنسيين، ويُنقل الأمر إلى أميركا وغيرها من الدول، – وقد علمت بهذه التفاصيل لاحقاً-، وقد ردّت 10 بلدان بالموافقة، في هذه الأثناء غيّر فاروق رأيه، وأبلغهم أننا لا نستطيع وقف جلسة مجلس النواب، يجب أن تتكلموا مع نبيه (بري)، فتحدثوا إلى نبيه، حتى لا يقولوا إن سوريا هي التي تتحكم بالموضوع، لكن نبيه عقد الجلسة في اليوم التالي، وصوّتنا مع التمديد، ولم أكن أعلم بما حدث… فلماذا حصل ما حصل، كان يمكن أن يقف القرار. هل اعتقد السوريون أنه لا يمكن إصدار قرار في مجلس الأمن، فوافقوا نهاراً، وعارضوا ليلاً".

بدا الحريري من خلال هذا العرض على علمٍ، بأن ما وصفه بالخلية المتخصصة بتحرير التقارير ضده، قد أبلغت القيادة السورية بأنه وراء القرار 1559، وبأنه "معادٍ للنظام السوري"، وبأن موافقته على التمديد ليست إلا "مناورة"، فقال للمعلم: "هل هناك أحد في العالم لا يعرف أنني ضد التمديد، وأنني قبلت بالتمديد غصباً عني. جماعتكم يقولون، عندما يسألونهم لماذا تتعاطون بهذا الأسلوب مع الحريري وهو سار معكم في التمديد، يقولون: ليش هوي مدّد بخاطرو، مدّد غصباً عنه". أضاف: "لنفترض جدلاً أن رفيق الحريري فعل هذا الأمر (القرار 1559)، فلماذا تغير الآن (الحريري) وهو كان معنا منذ 25 عاماً؟!، ألم يسألوا أنفسهم هذا السؤال". وتابع: "الكلام الفاضي عن أن مروان حمادة، وغسان (سلامة)، زارا الحريري في سردينيا، ووضعا القرار 1559… من يقول هذا الكلام، كأنه يقول: نحن حاولنا قتل مروان حمادة" (كانت هذه المحادثة بعد محاولة اغتيال مروان حمادة، وفي كلام الحريري إشارة واضحة إلى الخلفية السياسية لمحاولة الاغتيال المتعلقة بالموقف من التمديد والقرار 1559).

واستطرد الحريري قائلاً: "أنا لا أستطيع العيش ضمن نظام أمني متخصص بالتشويش على رفيق الحريري ويكتب تقارير لبشار الأسد ويصدّقها… من بين هذه الخزعبلات أنهم وضعوا في رأس بشار أنني أنا عصب السنّة في لبنان. لقد استدعيت المشايخ السنّة في عكار، وقلت لهم إن مرجعيتكم هي رئاسة الحكومة، وأنا رئيس الحكومة، ولا مصلحة للمسلمين بالتطرف، فكتبوا تقريراً يقول: إنني أنظّم تجمعاً سريّاً في البلد!. ما المطلوب مني؟ هذا الكلام سيحاسبني الله عليه يوم القيامة، عيب القول إن الحريري جزء من مؤامرة". أضاف: "قبل قليل علمت من الإسبان أنهم سيضعون حزب الله على لائحة الإرهاب. هل تعلم من يمنعهم؟ الفرنسيون. هل تعلم من يمنع الفرنسيين؟ أنا! (رغم أني) مختلف معكم، ويمكن أن تستعملوا حزب الله ضدي، (لكن) "مش طمعان بهدية".

شهادات تؤكد الخلفية السياسية للاغتيال
هذا الحوار الهام بين الحريري والمعلم قبيل جريمة 14 شباط 2005، لم يكن الوحيد الذي أضاء على الخلفية السياسية للاغتيال، فشخصيات عديدة وعواصم مختلفة حول العالم كانت على علم بما يتعرض له الحريري من مضايقات وتهديدات، والكلام الذي كان يُحكى عن نصائح تلقاها الحريري من أصدقائه في العالم بمغادرة بيروت، يمكن أن نقرأه اليوم في مذكرات أكثر من شخصية عاصرت هذه الحقبة.

يقول الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك في مذكراته الصادرة مؤخراً: "إن مسؤولية الرئيس بشار الأسد في موت رفيق الحريري، لم تكن موضع شك في نظري، رغم أنني لم أكن أملك الدليل القاطع، وفي اليوم التالي للاغتيال طلبت من جان مارك دولاسبلير، سفير فرنسا في الأمم المتحدة آنذاك، أن يقوم بكل ما يمكن من أجل إنشاء لجنة تحقيق دولية بأسرع وقت لكشف الجناة ومن أعطى الأوامر بالاغتيال… كما قلت للرئيس جورج بوش في 25 شباط 2005، إن قناعتي أن هذا العمل لا يمكن أن يتم من دون أجهزة منظمة وذات خبرة… الرئيس الأسد أبقى على ضغوط تهدد لبنان… إما بسبب الغرور، أو فقدان البصيرة، حيث يبدو أنه كطاغية لا يقبل أن يراجعه أحد".

ويسهب شيراك في سرد التفاصيل: "في الخامس من حزيران، وبمناسبة زيارة جورج بوش لإحياء الذكرى الستين للإنزال الأميركي في النورماندي، أتيحت لي فرصة بحث هذا الموضوع… فشرحت له أهمية دعم لبنان، واستعادة استقلاله… وفي صيف 2004، وبينما كنا نعمل مع الأميركيين على صياغة مشروع قرار يطالب بإجراء انتخابات حرة، وفي الوقت ذاته بانسحاب غير مشروط للقوات السورية من لبنان، حصل ما توقعناه أنا ورفيق الحريري؛ اتفق بشار الأسد وأداته إميل لحود على تعديل الدستور بطريقة تسمح للأخير بإعادة انتخابه لثلاث سنوات لولايته، واستُدعي الحريري إلى دمشق في 26 آب… رفيق الحريري أخبرني بالضبط بكل ما حدث في ذلك اليوم في مكتب الرئيس بشار الأسد، بحضور نائب الرئيس عبد الحليم خدام، الذي أكد ذلك لاحقاً في 25 كانون الثاني للجنة التحقيق الدولية. لقد ذكّر رئيس الوزراء اللبناني الرئيس السوري بالتزامه بعدم التجديد لإميل لحود، فرد عليه بشار الأسد بطريقة جافة بأنه اتخذ قراره، مضيفاً أنه يجب اعتبار لحود ممثله الشخصي في بيروت. ومعارضته تعني معارضة بشار الأسد، مهدداً الحريري ووليد جنبلاط بالثأر جسدياً، إذا ما أصرا على رفض القبول ببقاء إميل لحود في السلطة، وصرخ: إذا أراد شيراك إخراجي من لبنان فإنني سأكسر لبنان. إما أن تنفذ ما أقوله لك وإلا سنستهدفك أنت وعائلتك أينما كنتم. رفيق الحريري أحاطني علماً بهذه التهديدات في المساء، فطلبت منه أن يحيط نفسه بأقصى الإجراءات الأمنية، وأن يتجنب مغادرة مكتبه، كما طلبت منه أن يبتعد عن لبنان".

وحول واقعة الاغتيال يقول: "قبل ظهر الرابع عشر من شباط كنت اعقد اجتماعاً في قصر الإليزيه عندما علمت أن اعتداءً استهدف رفيق الحريري في بيروت… وبينما كنت عائداً إلى مكتبي جاءني الخبر أن رفيق الحريري قُتل بالانفجار… لقد انهرت، وكان خبر اغتياله واحداً من أسوأ الصدمات في حياتي… لقد قلت له قبل أسبوعين من اغتياله عندما زار باريس: عليك توخي الحيطة، إنهم مجرمون لا يتورعون عن شيء، وقبل أن يغادر مكتبي التفت إلي وقام بإشارة مفادها أنهم لن يفعلوا هذا… لقد ذهبت إلى منزل رفيق الحريري الباريسي، وقلت لنازك: إنني لن أترك هذه الجريمة من دون عقاب… ورغم أنني نُصحت بعدم الذهاب إلى بيروت لأسباب أمنية، فقد كان لا بد من توجيه التحية لذكرى رفيق الحريري، والمشاركة في الحداد، ولكنني استبعدت فكرة المشاركة في التشييع، كي لا أجد نفسي إلى جانب الشخص الذي يتحمل مسؤولية كبيرة في دورة العنف والكراهية: إميل لحود".

وفي تأكيد للوقائع نفسها، يسرد وزير الدفاع الأميركي الأسبق دونالد رامسفيلد في مذكراته، التي صدرت في شباط الماضي تحت عنوان: "المعلوم وغير المعلوم"، تفاصيل قريبة من ذلك، تبين الخلفية السياسية للاغتيال، وتلقي مسؤوليته – وفق رامسفيلد – على عاتق النظام السوري و"حزب الله"، لأن "الحريري – والكلام لرامسفيلد – كان رمز استقلال لبنان، وتهديد كبير لاحتلال سورية- حزب الله للبنان".

وقوف القرار 1559 في خلفية مسرح الاغتيال أكده أيضاً المحقق الدولي ديتليف ميليس في أكثر من إطلالة إعلامية له، على اعتبار أن سوريا سبق أن اتهمت الحريري بالوقوف وراء القرار الذي وُصف من قبل حلفاء النظام السوري في حينه بأنه قرار إسرائيلي (اللافت أن "حزب الله" يتهم اليوم "إسرائيل" بقتل الحريري، بعدما اتهمه بالضلوع في صدور قرار إسرائيلي في العام 2004!). وكان سبق لميليس في مقابلة مع الإذاعة الألمانية في 16/6/2011 أن ذكّر بشهادة عبد الحليم خدام، حول اللقاء الشهير بين الأسد والحريري، قائلاً: "اشتبه السوريون في أن الحريري سعى بالتعاون مع الفرنسيين والأميركيين إلى إسقاط النظام في سوريا وإلى نزع سلاح حزب الله. الدافع الأساسي لاغتيال الحريري هو قرار مجلس الأمن 1559".

قال فيتزجرالد في التقرير الذي وضعه بتاريخ 24/3/2005: "لا يمكن تحديد المسبب المباشر في اغتيال الحريري إلا عندما يمثل المسؤولون عن الجريمة أمام القضاء، ولكن من الواضح أن الاغتيال حصل في إطار سياسي وأمني يتسم بالتأثير المباشر لسورية على السلطات اللبنانية".

وأضاف: "لقد تدخلت سوريا في تفاصيل الحكم في لبنان بيدٍ من حديد، وأسلوب غير مرن، أدى إلى أحادية القطب السياسي. ومن دون استخلاص الأحكام المسبقة من التحقيق، إلا أن الاغتيال جاء على خلفية هذا الجو… لا بد من توكيل لجنة تحقيق دولية مستقلة تتضمن كافة الخبرات اللازمة".

الشهادات السابقة كلها، تؤكد مضمون المكاشفة التي جرت بين الرئيس الحريري والوزير المعلم. أليس عجيباً؛ أن يكون الحريري متهماً من قـِبَل سوريا وحلفائها، قبل اغتياله، بالتآمر لمصلحة الغرب و"إسرائيل" ضد سوريا و"المقاومة"، ثم تصبح "إسرائيل" متهمة بقتله، ويقدّم الفريق نفسه أدلة على ذلك؟ (بعد فترة من الضياع حاول فيها إلصاق التهمة بالـ "القاعدة" مجموعة الـ 13). أليس غريباً أن يتوصّل النقيب وسام عيد إلى كشف حلقة الاتصالات المغلقة المرتبطة بالاغتيال، والتي تربط بين عناصر في "حزب الله" والجريمة، ثم تكون "إسرائيل" هي المتهمة بقتل عيد الذي كشف أدلةً تدين عدوها "حزب الله"؟!

الحريري ومن تلاه من المستهدفين بعمليات التفجير، الأحياء منهم والأموات، كلهم كانوا متهمين لدى حلفاء النظام السوري بتقاطع مواقفهم مع العدو (إذا لم نقل إنهم اتُهموا بالعمل لمصلحته، وقد أظهرت التحقيقات ترابطاً كبيراً بين هذه الجرائم)، لكنهم جميعاً وفق دعاية حلفاء النظام السوري- باتوا ضحايا لعمليات تفجير نفّذها "الموساد" الإسرائيلي. عجباً لهذا العدو الذي يقتل من "يستفيد منه" ويترك من "يكيد له"! وعجباً لمن يرفع لواء العداء لـ"إسرائيل"؛ كيف لا يسعى جاهداً إلى القبول بمحكمة تدينها على جرائمها أمام العالم أجمع!.