حرّاس المسجد حول دور البيروقراطية الدينية في إقليم كوردستان – د. سربست نبي

هل التسامح يعني بالضرورة أن نتسامح مع المتعصبين الذين يرفضون التسامح مبدءاً ؟ هل الالتزام بحرّية الآخرين وحقهم في التعبير يبرر السماح لكل مأفون جاهل أن يدعو باسم الدين إلى اغتصاب القاصرات والاعتداء الجنسي على الأطفال واحتقار المرأة وإهانتها والتحريض ضد حقوق الإنسان الطبيعية؟ هل العمل الديني, العمل في المجال الروحي يبرر الحديث باسم الله(ج) والوصاية على الضمير الديني للمؤمنين ؟ هل يسوغ مبدأ حرّية الرّأي منح كل مستهتر يعتقد في نفسه الكمال الأخلاقي والروحي حق الوصاية على سلوك الآخرين وقيمهم الأخلاقية والحكم عليهم بالهرطقة والعهر والتعرّ؟ هل الدعوة إلى العنف الأسري والتحريض ضد قيم المساواة بين الجنسين من الديمقراطية وحرّية الرّأي في شيء؟ هل إثارة الغوغاء ضد الحداثة والقيم الوطنية والسلم الأهلي يعدّ شأناً خاصاً من شؤون الفرد الخاصة وحقاً من حقوقه في إبداء الرّأي, ويبرر استخدامه المنابر العامة, الروحية والمدنية في الترويج لثقافة الكراهية ضد المختلف وأصحاب المذاهب والمعتقدات الأخرى؟ هل من حرّية الرّأي في شيء أن تكره الآخرين على نمطٍ محددٍ من التدين, ومن التمذهب, ومن الاعتقاد, ومن العبادة والطقوس, وأخيراً ترغمهم على نمطٍ بعينه من السلوك الأخلاقي حتى يصبحوا أسوياء وعلى صراط مستقيم كما تعتقد؟ لمَ تفترض أصلاً أن الإيمان الذي لديك, والدين الذي أنت عليه, والمذهب الذي تؤمن به, ومن ثم الطريقة التي تعتمدها, والمدرسة أو الشيخ الذي تتبعه, هي الأصوب والأحق والأقرب إلى مقاصد السماء؟ كيف لك أن تبرهن على ذلك؟ من منح لمثل هذا الطراز من رجال الدين الأميين الحق في التدخل في الإيمان الخاص للبشر وضميرهم كي يجبرهم على التكيف مع معتقداتهم وآرائهم التي هي نتاج رؤوسهم المعممة ليست إلا, ووفقاُ لنموذج إيمانهم المحدد وفهمهم المحدود للدين؟

هل يجوز الاحتماء بقواعد الديمقراطية والحرّية لفرض أشدّ أشكال المعتقدات تخلفاً وجهلاً, الأكثر إعاقة للنمو والتقدم الإنساني, الأشد تعارضاً مع مبادئ الديمقراطية والحرّية ذاتها؟ : أين يجب وضع الحدّ وكيف يمكن تحقيق التوفيق المناسب بين حرّية الاعتقاد والعبادة والتعبير للمؤسسات الدينية وبين استقلالية الضمير الفردي وحرّية الإيمان لدى كل فرد من المواطنين؟هذا هو السؤال الذي يتوقف عليه كل شيء تقريباً.

غنيّ عن الملاحظة المكانة الاستثنائية التي يشغلها رجال الدين الإسلامي في إقليم كوردستان والدور الذي تلعبه المؤسسة الدينية فيه. وهذا الدور يعكس النزوع المتعاظم لدى طبقة رجال الدين نحو الهيمنة على المجال العام واستغلاله, وإعادة إنتاج نوعٍ من السلطة المركزية على أرواح الناس وعقولهم, كسبيل لخلق نفوذٍ موازٍ للسلطة المدنية ضمن شروط النظام السياسي ذاته. وهذه الطبقة لا تكترث أصلاً ببقاء هذه الشروط وتحسينها إلا لجهة تعزيز دورها السياسي وترسيخه, مستغلة الشرعية القانونية والروحية المتاحة لها. ومن هذا الموقع تعيد إنتاج أشكال رثّة من الخطاب المعتقدي المضاد لقيم التحديث والديمقراطية. وتروّج لقيم روحية وأخلاقية انطلاقاً من مرجعية فكرية لا تنتمي قط لروح هذا العصر, استناداً إلى قراءتها الخاصة , التي تعتقد أنها الشرعية الوحيدة للدين الإسلامي والصحيحة.

إن حرّية الفرد مبررة لأنها- كما يرى عدد من مفكري الحرّية الفردية- تسهم في الصالح العام, وهي وسيلة قيمة لغاية أعلى منها هي( الوئام الاجتماعي والتقدم الإنساني) الذي يهم كل عضو في المجتمع. وطالما هي كذلك فهي صحيحة, إلا أنها بخلاف هذه الغاية تعدّ تعسفاً لأنها تعتبر تعدياً على كرامة الإنسان وإرادته الحرة وتهديداً للسلم الأهلي. والغاية الوحيدة التي تجيز للبشر, أفراداً كانوا أم جماعة, أن يتدخلوا في حرّية أفعال أي واحد منهم إنما هي حماية الذات. أي أن الغرض الوحيد الذي من أجله يمكن ممارسة السلطة في أي مجتمع حديث على عضو منه رغم إرادته إنما هو دفع للأذى عن الغير. وهذا الأذى المعنوي أو المادي قد ينجم عن هذا الترويج للثقافة السامة التي قوامها إهانة كرامة الإنسان والتعصب والتمييز بحق الجنسين وتبرير القسوة أو العنف. من هنا تبدو جميع المؤسسات المدنية مدعوة للوقف في وجه مثل هذه الأفكار والحدّ منها نظرياً ومادياً. فمثل هذه الأفكار تمس ضمير الفرد وكرامته وحقه في تقرير خياراته وفي المحصلة تمس حياته وحياة المجتمع. وفي حال تعذر هذا الحدّ قانونياً وفعلياً ينبغي اللجوء إلى الاستنكار العام وهذا أضعف الإيمان لأن الامتناع عن فعل ذلك يعدّ مساهمة في الضرر.

هنالك دائرة مستقلة خاصة بالفرد ينبغي أن تبقى بمنأى عن تدخل أية سلطة سياسية أو دينية. وكما يشير ستيوارت مل تشمِلْ هذه الدائرة ذلك الجزء من حياة الفرد وسلوكه الذي لا يمس إلا شخصه وحده أو إن مسّ غيره من الناس فيكون ذلك بمحض إرادتهم, وموافقتهم التي لا خداع فيها, واشتراكهم, وهذا هو نطاق الحرّية البشرية الخاص بها. إنه يشمِلْ أولاً ممِلْكة الوعي الداخلية التي تتطلب حرّية الضمير بأوسع معانيها وحرّية الفكر والشعور، و الحرّية المطلقة للرأي و العاطفة في كل المواضيع العمِلْية أو النظرية العلمية أو الأخلاقية أو الدينية..وثانياً, حرّية تصميم خطة لحياتنا توافق طبعنا, و حرّية العملْ وفق ما نحب ونرغب…. وثالثاً، من هذه الحرّية لكل فرد تنشأ ضمن الشروط نفسها حرّية التكتل بين الأفراد, حرّية الإتحاد و التضامن في سبيل أي هدف لا ينطوي على إيذاء الغير…. وكل مجتمع لا تحترم فيه هذه الحريات عموماً لا يكون حرّاً مهما كان شكل حكومته، ولا يكون أي مجتمع حرّ حرّية تامّة إن لم تكن فيه هذه الحريات مطلقة و كامِلْة الشروط. و الحرّية الوحيدة الجديرة بهذا الاسم هي حريتنا في أن ننشد خيرنا بطريقتنا الخاصة ما دمنا لا نحاول حرمان الغير من خيراتهم ولا نعرقل جهودهم في الحصول عليها.

واقع الحال أن البيروقراطية الدينية في إقليم كوردستان لا تكترث بهذه الحدود قط وإنما تحاول انتهاكها بشتى السبل وفرض الوصاية عليها. ويتصرف عدد من رجال الدين الإسلامي والمؤسسة الدينية في إقليم كوردستان على نحو فيه الكثير من الغطرسة والتسلط والصلف مستغلين مناخ الانفتاح في الإقليم لفرض هيمنتهم الروحية والمادية عل الحياة العامة. ويستخدمون شتى وسائل الضغط والإكراه والمنابر العامة لتحقيق هذا الهدف.

في حدود سلطة رجال الدين على المجتمع وضمير الفرد نتساءل أخيراً, ما هو الحدّ الشرعي والقانوني لسيادتها الروحية والأخلاقية؟ أين تبدأ سلطة المؤسسة الدينية ورجالها وأين تنتهي؟ ماذا ينبغي ويحق لها من أفعال وآراء وأساليب تبشير وترويج, وما طبيعتها, وأين تبدأ حرمة المجتمع والفرد؟ إن كلا منهما يستطيع أن يمارس دوره العادل إذا هو احتفظ بما يخصه أو يعنيه دون أن يفرض هيمنته الأدبية والروحية على الآخر قسراً. فيكون للفردية الحق في الاعتقاد الذي يعنيه ويهمه. وللمؤسسة الدينية الحق في التبشير بعقائدها داخل نطاقها الخاص دون إكراه أو قسر وبحيث لا تمس مباشرة عقائد الآخرين ومصالحهم .

إن من ينال حماية المجتمع والسلطة المدنية والنظام الديمقراطي يكون مديناً له مقابل ذلك, والمؤسسة الدينية حين تعمل وتبشر بعقائدها في ظل شرط الانفتاح الديمقراطي يتعين عليها ألا تبشر بأية أفكار أو آراء من شأنها أن تهدد أو تعارض أو تضر بهذا الشرط السياسي أو المدني. وهذا يقتضي حتماً أن تتقيد هي ورجالاتها بقواعد من السلوك تجاه السلطة المدنية ونظامها السياسي. ويتألف هذا السلوك أولاً من عدم إضرار الواحد بمصالح الآخر والمجتمع نظرياً وعملياً, أو بالأحرى عدم الإضرار بتلك المصالح التي يجب أن تعتبر حقوقاً إما بموجب نص قانوني صريح أو بموجب تفاهم ضمني للفرد والمجتمع . ويتألف هذا السلوك ثانياً من تحمل كل فرد نصيبه مما تقتضيه صيانة مصالح المجتمع أو مصالح أعضائه وتقدمهم وضمان حرّية الاعتقاد والتفكير والتعبير للجميع. ويحق للمجتمع مهما كلف الأمر أن يفرض تحقيق هذين الشرطين على من يحاول الامتناع عن ذلك.
يعدّ الفرد هو صاحب الشأن الأول فيما يختص بإيمانه الذاتي ومعتقداته الدينية, ولا يعتد بمواقف الآخرين ودورهم فيه إلا في حالات التفاعل الإيجابي والحرّ. وما شأن المؤسسة الدينية به كفرد إلا شأن جزئي غير مباشر يتعلق برغبته في التواصل معها. إن تدخل المؤسسة الدينية للتحكم بضمير الفرد الديني وطبيعة إيمانه الخاص يعدّ تعسفاً يقوم على ادعاء خاطئ بحق الحديث باسم الإلوهية والدين القويم. وإن كان هذا الادعاء جائزاً فإنه يقود إلى الفوضى في العقائد , وإلى سوء التطبيق من قبل أناس يستغلون الدين لمآربهم وأهوائهم الشخصية. والضرر الذي قد يلحقه شخص مدّع من هذا النوع بالدين وعقائد الآخرين قد يكون ذا أثر خطير على غيره وعلى المجتمع عموماً إذا قدِر له أن يستغل المنابر العامة للترويج لأفكاره. حيث يقود سلوك هذا الشخص إلى الإخلال بالسلم والوئام الاجتماعي ويخرج عن نطاق حرّية الاعتقاد والتفكير والتعبير بمعناها الصحيح