صاحب الصوت الذي يحذر – سمير عطا الله – الشرق الاوسط


«سوف تحوَّل طرابلس إلى ركام وتدمَّر. وسوف تعيشون من دون حرية وفي رعب. وسوف يقتلونكم ويعتدون على منازلكم. وإذا لم تقضوا عليهم في تاجوراء فإن ما يحدث هناك سوف يتكرر في كل طرابلس. هؤلاء لا يهمهم إن احترقت ليبيا أم لا». لن تحزروا من هو الذي يحذر أهل طرابلس من العيش دون حرية وفي رعب، ومن القتل واقتحام المنازل، إلا إذا كنتم لا تزالون تتابعون خطب الأخ العقيد. يفقد الديكتاتور، في لحظاته الأخيرة، العلاقة مع الماضي والحاضر وحافة المستقبل. قلنا يفقد العلاقة، أو الصلة، ولم نقل الرؤية، لأن الديكتاتور يمنع نفسه عن السمع ثم يمنع نفسه عن النظر ثم يحظر على نفسه وحاشيته، النظر والتبصر.




يريد الديكتاتور أن يطبق على عموم الناس، طريقة تفكيره وطريقة لباسه وأسلوبه في الحياة. صدام حسين فرض على أعضاء ما سمي مجلس القيادة، نظاما غذائيا معينا. العقيد كان له شعر قصير فألقى خطبه يهاجم فيها موضة إرسال الشعر عند الرجال. وعندما استحسن الفكرة أرخى شعره وترك للآخرين تقليده. وعندما خف شعره استدعى اختصاصيا من البرازيل لزرع الشعر وتحسينات أخرى. وهذه نوافل لا تذكر. لكنها عندما تعبر عن شخصية رجل عام لا تعود مجرد تفاصيل، بل تصبح موضوع دراسة. عندما التقيت الرئيس الأرجنتيني (يومها) كارلوس منعم ذات صباح في فندق «الميريديان»، «ليماسول»، أدركت لماذا يمضي الرجل كل هذا الوقت أمام المرآة. لأن رساميله الأخرى ضئيلة جدا. ولأنه، بعيدا عن مرآة الرئاسة، يصبح ما أصبح عليه بعد الرئاسة: رئيسا سابقا غير ملاحق، من أجل سمعة البلد لا من أجل سمعته. فهو رجل بلا سمعة قبل وبعد. خطأ تاريخي لم يستطع أن يصحح نفسه.

ألا يحزنك أن تسمع أن زوجته وثلاثة من أولاده صاروا في الجزائر؟ ألم يحزنك من قبل أن تسمع أن زوجتي صدام حسين وابنتيه ومن بقي من أحفاده، أصبحوا في المنفى؟ ما هي ذنوبهم؟ لعل النسوة شجعنه على المضي في المحافظة على السلطة والتضحية بأرواح الناس. لعل. ربما تلعب السيدات دورا طاغيا في تحقير المصائر. وربما لا. ربما يكون امتلاء النفس بذاتها إلى حد الفيضان، هو سبيل الهلاك الوحيد.

سوف يقول لي ليبي ممن فقد نفسا من عشرات آلاف الأنفس: إذا أردت أن تحزن، فاحزن وحدك. ما من روح أغلى من أخرى. ما من منفى أقسى من منفى. ما من ذل أكثر فظاظة من ذل. ولكنني، بكل صدق، كنت أتمنى أن تبقى زوجة العقيد في بلدها. وأن تنعم بهدوء لم تعرفه الزوجات الليبيات. وأن تبقى السيدة عائشة في بلدها، لا خطيبة تدافع عن 40 عاما من الظلم والظلام والهتك والاستعباد، بل عن حياة عادية طبيعية كفية لأهلها من الليبيين. من جميع القبائل.