تماسيح الممانعة أعداء موصوفون للشعب الليبي – وسام سعادة – المستقبل

لا يمكنك أن تتخيّل إلى أي حدّ تزعج الثورة الليبية تماسيح الممانعة!

لهان الأمر، لو كانت علّة الإزعاج تقتصر على التداعيات السوريّة للحسم في ليبيا، حيث إن عدوى الثورة التي انتقلت من ليبيا إلى سوريا يمكنها أن تستكمل بانتقال عدوى الجرأة على الحسم الثوريّ، وحيث إنّ العين العالمية ستصبح أكثر تركيزاً وإطباقاً على النظام الدمويّ السوريّ.

ثمّة منشأ آخر للإزعاج. الثورة الليبية تصيب مبدأ الممانعة في صميمه. فالممانعة تقوم على المنطق التالي: الحاكم إن أخطأ وجبت محاسبته إلا إذا سارع الإستعمار للاستفادة من هذا الخطأ. عندها ينبغي محاسبة الإستعمار وتأجيل النقمة على الحاكم. وإذا أبلى الحاكم البلاء الحسن في ردّ التحرّش الإستعماريّ به، واستعاد ذكريات التحرّر الوطنيّ وسرديّاته، فعندها ينبغي التكرّم بالعفو الضميريّ عن الحاكم، والالتفاف حوله.

وما حدث في ليبيا أنّه في الأسابيع الأولى من الثورة راحت كتائب معمّر القذافي ومرتزقته تبطش بالعباد بشكل مريع، ومضت تماسيح الممانعة تذرف دموع ريائها المعتاد، متسائلة كيفَ تحدث هذه المجازر على مرأى ومسمع من الغرب. وطبعاً، كان بعض الغرب ما زال يحسبها بطريقة قاصرة يومها تتعلّق بالمزايا النفطية التي كان يقدّمها نظام القذّافي له، أو بالخوف المعتاد من انتشار الأصولية العنيفة. هنا تخلى أهل الممانعة عن جانب أساسيّ من منطقهم: فالغرب الإستعماري لم يسارع إلى الاستفادة من "خطأ الحاكم الليبي"، وإن كان من انتقاد تشارك فيه الممانعون مع الليبراليين يومها فلجهة شجب تلكؤ الغرب ونفعيته المبتذلة.

بعد ذلك، تمكّن نظام القذّافي من شنّ هجوم مضاد واسع وناجح بلغ مشارف بنغازي، فكان هناك خيار من اثنين: إمّا تقديم غطاء جويّ بحريّ أطلسيّ يقي الثورة الليبية من حفلات الإبادة الجماعية التي كانت تنتظر أهل بنغازي على يد صاحب "النظرية الجماهيرية"، وإمّا العزوف عن تقديم هذا الغطاء. لم يكن ثمة حلّ ثالث. تكلّم السيّد حسن نصر الله يومها عن الموضوع، ولم يجد من مخرج أفضل من "الغموض الخلاق": ليس بوسعه أن يكابر على حاجة الثوار الليبيين إلى غطاء جويّ بحريّ أطلسيّ، ولا يستطيع أن يبقى مقاوماً وممانعاً، إن هو وافقهم على ما توافقوا عليه من استغاثة بالأطلسي. في الحقيقة، هذا الغموض الخلاق ليس غامضاً إلى هذه الدرجة، أولاً لأنّ أي انتصار لثورة شعبية ضدّ طاغوت من طواغيت التحرّر الوطني وبالإستعانة بالقوى الإمبريالية هو بحدّ ذاته هزيمة معنوية لمنظومة الممانعة، وثانياً لأنّ اللحظة الحسّاسة على أبواب بنغازي والتي حوّلت الإستعانة الثورية الليبية بالقوى الإمبريالية إلى "استغاثة" ضرورية من ناحية، وفي "وقتها المناسب" من ناحية أخرى، إنّما كانت لحظة تزيد حدّة الهزيمة المعنوية لمنظومة الممانعة، وثالثاً لأنّ اضطرار منظومة الممانعة بموجب دخول "الأطلسيّ" على المسألة الليبية إلى السكوت عن نظام معمّر القذافي، ثم إلى التواطؤ معه، رمزياً في الحدّ الأدنى، كان يزيد ويزيد الإحراج الأخلاقيّ تجاه المسألة الليبية، ولم ينفع كثيراً التبرؤ من هذا الإحراج وإسقاطه على الثوار، كما فعل السيد نصر الله، حينما أوحى بأنّ الإحراج الحقيقيّ هو الذي يقع فيه ثوار ضدّ الطاغية لا يجدون مفرّاً من الإستعانة عليه بقوى الإستعمار والإستكبار.

ثم أنّ التدخّل الأطلسيّ كغطاء للثورة الليبية جاء مبتكراً. الجوّ والبحر دون اليابسة، خصوصاً وأنّ نظام القذافي كان استعان بسلاحي الجوّ والبحر على الشعب الليبي. ظهر المشهد في جانب منه كتفاد أو تصحيح لمشهد التدخل العسكري البرّي في العراق عام 2003، لكنه ظهر في بعد آخر كنقض لتلك الجمل الإنشائية التي ازدهرت في أعقاب الثورتين المصرية والتونسية لتقول إن هاتين الثورتين تظهران أنّ احتلال العراق لم يكن ضرورياً لإسقاط الإستبداد، وأنّه يكفي أن يقتنع أي شعب بانتفاء حاجته للإستبداد الشرقيّ كي ينقض عليه ويسقط، وطبعاً المسكوت عنه وراء هذه الجمل الإنشائية هو النظر إلى الإستبداد الشرقي كحاجة ضرورية لهذه الشعوب طالما أن الأخيرة لم تنتفض عليها، أو طالما ان انتفاضها لم يكن موفّقاً! هذا أيضاً تفسير ممكن آخر لمعنى الممانعة