مانديلا ليبيا – طارق الحميد – الشرق الاوسط


من حق الليبيين اليوم أن يحتفلوا بسقوط الطاغية معمر القذافي بعد قرابة أربعة عقود من التهريج والجنون. لكن على الليبيين أيضا أن يحتفلوا اليوم بمكسب حققته لهم ثورتهم القاسية؛ وهو السيد مصطفى عبد الجليل، رئيس المجلس الانتقالي.




بالطبع لا أعرف المستشار عبد الجليل شخصيا، لكن الرجال يُعرفون بمواقفهم، وهذا هو الأهم، ومن مواقف المستشار التي لن تنسى موقفه الذي أعلنه على قناة «الجزيرة» بعد حادثة إطلاق النار التي حدثت في منزل محمد معمر القذافي حين كان أول من أمس في حوار هاتفي على الهواء مع المحطة القطرية، حيث حدث ما يشبه اقتحاما للمنزل ومحاولة اغتيال، بعدها اتصلت المحطة بالسيد عبد الجليل للتأكد من سلامة ابن القذافي، خصوصا أن مذيع «الجزيرة» أبدى قلقا من أن يحسب اغتيال أكبر أنجال القذافي على المحطة القطرية، وهذه قصة أخرى تستحق التوقف عندها لاحقا.

المهم، خرج عبد الجليل على قناة «الجزيرة»، وليلة تحرير طرابلس، متحدثا بهدوء رجل وقور، وحكمة من يعي صعوبة ما ينتظر ليبيا، حيث لم يكن مغرورا أو شامتا بنجل القذافي الذي كان والده يصف المجلس الوطني الذي يرأسه عبد الجليل نفسه بالعمالة، والخيانة، ويصفهم بالجرذان. خرج عبد الجليل مطمئنا المحطة القطرية بأن محمد القذافي بخير، ورافضا بكل وضوح وحزم الانتقام، ومهددا بأنه في حال كان الثأر هو هدف الثوار فإنه سيعلن استقالته. وهذا ليس كل شيء، بل أقر عبد الجليل أن من ضمن الثوار متطرفين إسلاميين لا يتشرف أن يكون رئيسا لهم. لكنه قال بأن العهد بين المجلس وبينهم سيكون عند جمع السلاح بعد سقوط القذافي، وإلا فإنه، أي عبد الجليل، سيستقيل من رئاسة المجلس، حيث قال بكل هدوء وثقة إنه لا يخشى إلا الله، وغير آبه بالموت، ولا طامع بالسلطة. وعليه، فإنه لن يقبل بالثأر أبدا، بل يريد أن تعبر ليبيا هذه المرحلة بسلام، وأن يحاكم كل من ارتكب جرما بحق ليبيا والليبيين أمام قضاء عادل ونزيه، أي أنه لا يريد معاملة أبناء القذافي وأعوانه بنفس الطريقة التي تصرف بها القذافي لعقود.

وعليه، ففي حال كان هذا هو موقف ومعدن السيد عبد الجليل حقيقة، فإن على الليبيين أن يهنئوا أنفسهم بظهور مانديلا ليبي بينهم، وزعيم ثورة حقيقي من قماشة غاندي والزعماء الأقوياء في حكمتهم، لا بطشهم، كالقذافي. فمانديلا ليبيا، أي مصطفى عبد الجليل، استطاع بموقف أخلاقي شجاع، وهو الدفاع عن نجل العقيد يوم انهيار نظام والده، أن يمنح الأمل لكل من يراقب الوضع الليبي بقلق من قادم الأيام، خصوصا مع الحديث عن الوضع القبلي، ووجود المتطرفين الإسلاميين، وغيره من القضايا الخلافية. لذا، فإن على الليبيين جميعا أن يلتفوا حول مانديلا ليبيا اليوم، ومثلهم العرب. وعليهم أن يمنحوه الثقة والدعم من أجل إطلاق مشروع إعادة بناء الدولة الليبية المحترمة، لا دولة ملك ملوك أفريقيا التي أضاعت مقدرات الشعب الليبي طوال أربعة عقود بمغامرات عبثية ومجنونة.