إحذروا القلق! – علي نون – المستقبل

أورد زميلنا المجتهد أسعد حيدر في مقاله المنشور في الصفحة الثانية من هذه الجريدة أمس، ما نقلته صحف فرنسية في الآونة الأخيرة عن الوزير الإسرائيلي ايهود باراك في شأن المفاوضات التي كانت تجري مع سوريا، والمطالب التي قدمها وفد دمشق فيها.

والجديد ـ القديم في تلك المطالب يتعلق بلبنان.

حيث وضع نظام بشار الأسد شرط "العودة إليه وتثبيت مصالحه فيه" كثاني بند في سلّة مطالبه، فيما وضع بند الانسحاب من الجولان في كعب تلك السلّة!

.. قبل سنوات قليلة، نشرت إحدى الصحف اللبنانية المحسوبة على خانة الممانعة، مقالة مترجمة عن صحيفة عبرية، يحكي فيها أيتامار رابينوفيتش أحد كبار المفاوضين الإسرائيليين مع سوريا في مرحلة التسعينيات وحتى انتهائها العلني في "واي بلانتيشين" في واشنطن في المرحلة الأخيرة من فترة ولاية الرئيس بيل كلينتون.. يحكي عن رؤيته لتلك المفاوضات ورأيه في نيّات نظام الرئيس الراحل حافظ الأسد إزاء العملية السلمية برمّتها.

وأتذكر تماماً ـ والذي كُتب في تلك المقالة طُبع في ذاكرتي وما عاد يُمحى بسهولة ـ أن رابينوفيتش أشار في تلك المقالة الى الاجتماع الأخير والأهم الذي عُقد في العام ألفين بين وفد سوري برئاسة العماد حكمت الشهابي، وآخر إسرائيلي برئاسة باراك نفسه، وخلاصة ذلك الاجتماع.. وما دوّنه رابينوفيتش (المشارك فيه) هو أن نظام دمشق كان "جدياً" و"صادقاً" في السعي الى تسوية مع إسرائيل تقوم على الآتي: اعتراف دولي بشرعيته (؟) والانسحاب الى حدود 4 حزيران 1967.. ثم "قوننة" السيطرة على لبنان.

استخدام مصطلح "القوننة" آنذاك كان ترجمة لواقع الحال. باعتبار أن الجيش السوري كان موجوداً في لبنان. والسيطرة السورية كانت تامة على كل نواحي الحياة السياسية والأمنية والعسكرية اللبنانية.. وذلك كترجمة لاتفاق مع واشنطن أولاً وأساساً يعود الى المراحل الأولى للحرب اللبنانية في فترة سبعينيات القرن الماضي، ثم تطور (الاتفاق) الى "تلزيم" إدارة جورج بوش الأب، لبنان بأصله وفصله لنظام الأسد الأب، كثمن لمشاركته في حرب تحرير الكويت من قوات صدام حسين.

لاحقاً صار ذلك الطلب مرادفاً أيضاً لواقع الحال، إذ إن الجيش السوري انسحب غداة جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، فتطور المرتجى من "قوننة" السيطرة، أي جعلها قانونية دمجية تامة ونهائية (!) الى "العودة" وتأمين مصالح النظام السوري!

في مذكرات ومدوّنات وأحاديث ديبلوماسيين وسياسيين كبار عرب وأجانب، الكثير من التفاصيل المتممة لذلك الطموح السوري.. منها باختصار أن الأسد الأب كان يعطي ضيوفه من هؤلاء دروساً في التاريخ والجغرافيا، مختصرها أن لبنان سُلِيخَ عن الجسم السوري الأم (أي لا بد من إعادته الى حضن أمه). في حين أن الأسد الابن كان يقدم لضيوفه "تحليلاً"، خلاصته أن اللبنانيين لا يعرفون العيش مع بعضهم، ويحتاجون دائماً، الى ضابط فصل بينهم، وضابط إيقاع لتنظيم حركتهم ومنعهم من ذبح بعضهم البعض كل عشر سنوات، وأن سوريا وحدها المؤهلة للعب ذلك الدور الضامن!

تغيّرت الظروف والتفاصيل والخرائط والدنيا والأمم، واندثرت امبراطوريات وهوت دول، وتحطمت حدود وسدود، وبقي هاجس النظام السوري واحداً ووحيداً في شأن لبنان! وفي ذلك لمن يشاء، تلخيص سريع ومكثف وفج لكل "طبيعة" السياسة السورية تجاه لبنان وفيه على مدى السنوات العجاف المريرات السابقات، والمدموغة حكماً بالحروب التي شهدناها.

لماذا هذا الكلام الآن! بصراحة لا أعرف! لكن ربما قدحته آخر نوبات ميشال عون قبل أيام، والتي يقول فيها إن سوريا قد تعود الى لبنان إذا شعر النظام فيها بالقلق.. في أي عالم يعيش ميشال عون! وفي أي عالم لا يزال النظام السوري يعيش!

من يعرف الجواب يا اخوان، عليه أن يقلق كثيراً، وفي ذلك على أي حال، ترف كبير مقارنة بما يتعرض له شعب سوريا، نتيجة قلق النظام فيها!

.. فظيع يا "أبو الميش