الجمهوريات الوراثية – د. سربست نبي

الجمهوريات الوراثية( الجمهوراثية) اختراع سياسي عربي بامتياز, ولا يمكن أن ينسب هذا الابتكار السياسي الفريد إلا إلى التاريخ العربي المعاصر, الذي حفل بالقادة الاشتراكيين القوميين, الآباء الشرعيين لهذا الاختراع. إن معظم المستبدين الذين شاءوا أن يرثوا أبنائهم البلاد والعباد خرجوا من عباءة العروبة والاشتراكية. وهذا هو القاسم المشترك الكبير الذي يوحد جميع هؤلاء في المبتدأ والمآل. هكذا كان صدام حسين البعثي في العراق, وحافظ الأسد البعثي في سوريا, وحسني مبارك الناصري, وعلي عبدالله القومي الناصري, والقذافي الناصري الاشتراكي….الخ

لكن سخرية التاريخ وحكمتها تكفلت, وتتكفل الآن, بجعل صلاحية هذا الابتكار قصير الأجل, فلا يسجل في سجل الأمجاد البشرية, برغم العناء والشقاء والفظائع والضريبة البشرية الباهظة التي قدمت على مذبح الحرية طوال عقود من الطغيان. ونحن نري اليوم شعوب تلك البلاد تضحي من أجل أن تستعيد كرامتها الإنسانية التي بددت لمصلحة بقاء القائد الخالد وذريته المالكة. وكان مقدراً لهذه الأخيرة ترث الشعب كما يرث المالك قطيع أبيه, وتقودهم بعصا الراعي.

السمة المشتركة الثانية بين هؤلاء جميعاً أنهم في البداية كانوا جنوداً متواضعين, قدموا من بيئات اجتماعية متواضعة, وأصبحوا أباطرة قوميين واشتراكيين في غفلة عن التاريخ. حمل هؤلاء معهم جميع التقاليد الاجتماعية والثقافية للإقطاع العسكري إلى سدة الحكم وطبعوا النظام السياسي بطابعه. هنالك في التاريخ الكثير من الأباطرة الجنود من ( سنسيناتوس) الروماني إلى( نابليون) الفرنسي, سجلوا مآثر حقيقية, لكن الأمور هنا أكثر تعقيداً وأقل إثارة بسبب تفاهة دور هؤلاء على مسرح التاريخ.

وبخلاف كل الجمهوريات التي عرفها التاريخ, راح حكام الجمهوريات الوراثية يمارسون الهيمنة باسم أيديولوجية مقدسة وشرعية ثورية لا تستنفد. وما كان على الشعب( الرعية) إلا التمجيد لمزاياهم الخارقة والتعظيم لدورهم وحكمتهم الاستثنائية التي اعتقدوها في أنفسهم وروجوا لها. فحتى أكثر طغاة التاريخ غروراً كان أشدّ تواضعاً قياساً إلى صدام والقذافي والبقية. وكان أقل غطرسة في التعاطي مع رعيته, وأكثر واقعية إزاء التحديات التي تواجه بقائهم في السلطة.

ويمكن الملاحظ ببساطة أن هذه الأنظمة( الجمهوراثية) تتميز كذلك بأنها الأكثر عنفاً وقسوة وبطشاً والأقلّ احتراماً لشعوبها في ذات الوقت. فهي الأشدّ استهتاراً بإرادتها والأشد ّ استخفافاً برأي مواطنيها, والأكثر ازدراءً واحتقاراً لوعيهم. وهي لا تكفّ عن اللجوء إلى الخداع والكذب والتضليل بغرض فرض قناعة على الجميع بأن بقائها وصية على مصير هذه الشعوب هو من أسعد الأقدار التاريخية وأحكمها بالنسبة لهذه المغلوبة على أمرها.

في هذه الأيام, وفي خضم هذه الثورات التي تجتاح العالم العربي وتدكّ أسس الاستبداد فيها, تبدو المقارنة مخزية بالفعل بين سير حكام( الجمهوريات الوراثية) وسلوكهم من جهة, وبين سيرة الطغاة الذين عرفهم التاريخ من قبل. إن أكثر ما يمكن قوله بحق الآخرين إنهم طغوا وبطشوا وسحقوا أعدائهم الداخليين ككل الطغاة واستباحوا البلاد, إلا أن الحكام العرب, تفردوا بجعلهم التاريخ يراوح في مكانه إلى حين, وأورثوا تخلفاً رهيباً في مجتمعاتهم, وكرسوا ثقافة مثلها. وبكلمة واحدة أصبح كل ماهو إنساني ومحفز على التقدم في زمنهم تافهاً وفاقداً لكل قيمة, وبالمقابل جعلوا من الرتابة والخوف والديماغوجية والدونية والارتزاق والانحراف والرذيلة والفساد والانتهازية والعطالة الذهنية واللامبالاة القيم العليا في مجتمعاتهم. تلكم هي المعجزات التي اختصوا بها, ومن ثم سخّروا كل ذلك لديمومة استبدادهم.

في ضوء هذه الحقائق المفجعة فقط يمكن أن نفهم طبيعة هذا السلوك العنيف والمجنون السائد لدى هؤلاء الحكام المستبدين وطبيعة سياساتهم العدوانية إزاء شعوبهم الرافضة لبقاء حكمهم. هنا نتساءل هل سيدرك هؤلاء ويقتنعوا أن نهاياتهم باتت أقرب مما يتخيلون؟ وهل سيفرض ذلك عليهم نوعاً من الانضباط المعقول لطيشهم الأعمى والمدمر؟ وحريّ بنا أن نسأل هل كان بوسع هؤلاء أن يتصرفوا على غير هذا النحو الأرعن, طالما أنهم في الأصل كانوا على اعتقاد راسخ بأن السلطة غنيمة مباحة لا يمكن التفريط بها أو التنازل عنها قيد شعرة حتى ولو حلّ الطوفان من بعدهم؟ تلكم هي مأساة كل مستبد, إذن ليقل التاريخ كلمته بحقهم اليوم…