إنهم لا يريدون .. لا «دستور» ولا « انتخابات» !! – شعبان عبدالرحمن

بيت القصيد في معركة «الدستور أولاً» هو اللا دستور ولا يحزنون… فحصيلة الحملة المملة التي تواصلها الطبقة العلمانية في مصر تفيد بأن الغالبية العظمى منهم لا تريد لا «دستور» ولا «انتخابات»، ولا أياً من مفردات العملية السياسية الجادة.. تريدها فوضى و«فركيشة»، يختلط فيها الحابل بالنابل فتلك هي البيئة التي يتعايشون وينتعشون فيها، وتلعلع في أجوائها شعاراتهم وخطبهم الرنانة علي شاشات الفضائيات. لقد ظن كثير من الناس من كثرة كلام تلك «الطبقة» عن الديمقراطية وحقوق الإنسان والمواطنة أنهم خبرة عبقرية في هندسة السياسة وبناء الدولة الحضارية، وأنهم يقدسون الانتخابات وصندوق الانتخاب فإذا بمعظمهم بعد الثورة يسقط في أول اختبار، وهو الاستفتاء الحر اليتيم التي شهدته مصر عبر تاريخها.. ومع ذلك يسعون لشطب هذا الحدث التاريخي من تاريخ الشعب المصري، وذلك معناه توجيه رسالة واضحة للشعب الذي خرج في إقبال غير مسبوق في تاريخ مصر؛ ليدلي بصوته مفادها: استفتاؤك لا قيمة له، وخروجك لا معنى له، وصوتك في سلة المهملات.. رسالة صادمة وقاتلة لنفسية ومعنويات المواطن المصري الذي ظل يتوق طوال حياته ليوم يقول فيه كلمته بحرية وشفافية ونزاهة عبر صندوق الانتخاب، فإذا بهم يحاولون وأد ذلك الحلم الوليد، ليعود الشعب مرة أخرى إلى حاله القديم… حال انعدام الثقة في الانتخابات والاستفتاءات التي ولدتها السياسات الغاشمة في العهود البائدة، والتي اضطرت المواطن إلي نسيان أن في بلاده انتخابات أو استفتاءات. قديماً كان اعتقاده أنها تزور تزويراً، وأن ذهابه يكلفه كرامته وربما حياته إضافة لتزوير صوته، واليوم يريدون القول للشعب – عن قصد أو غير قصد -: إن صوتك لا قيمة له فالنتيجة يمكن إلغاؤها، أو التراجع عنها نزولاً على رأي «البهوات» من نخبة العصر ولوامع الفكر والسياسة والقانون، فهم الدولة والدولة هم وما رأي الشعب إلا رأي دهماء لا قيمة له! لقد سجل التاريخ أن الشعب المصري قام بثورة ناجحة بكل المقاييس، وسيظل التاريخ يتحدث عنها طويلاً، كما سجل التاريخ أن الشعب المصري شارك بإقبال منقطع النظير في أول استفتاء نزيه وحر في تاريخه، ولاشك أن ذلك يسهم بقوة في استرداد الشعب لثقته بنفسه وقدرته على بناء نهضته بنفسه، ويشعره بأن رأيه أصبح ذا قيمة، وبالتالي هو نفسه – كإنسان – أصبح ذا حيثية في بلده، وتلك كلها من مقومات الانتماء ومن محفزات المشاركة الفعالة في بناء الوطن.. فالأمل تجدد والحلم المنتظر تحقق، كأول خطوة على طريق تحقيق الحلم الأكبر في النهضة الشاملة بإذن الله.. فإذا بمحاولات مستميتة – عن قصد أو غير قصد – لشطب هذا الإنجاز وإلغاء هذا الحلم، وهذا عين ما يترقب المتربصون بمصر حدوثه لتعود محلك سر إلى المربع الأول.. مربع إلغاء ومصادرة رأي الشعب. كان ذلك يتم بالتزوير سابقاً، واليوم بالمصادرة تحت أي ذريعة! وقتل أحلام الشعوب ووأد منجزاتها الكبرى في مهدها سياسة معروفة لدى قوى الاستعمار حتى تظل تلك الشعوب على ضعفها في مربع الانهزام النفسي، وعدم القدرة على الحراك أوالتغيير لتبقى لقمة سائغة في سياساتها الداخلية والخارجية وتظل مطية لكل الطامعين.

وتلك سياسة متبعة، وتحرص عليها قوى الاستعمار العالمي مع مصر، مثل بقية الدول المشابهة لها في العالم الثالث، وأذكر أنني في أواخر ثمانينيات القرن الماضي انشغلت بتحقيق صحفي عن قضية بيع نموذج مشروع طائرة «القاهرة 300» من مصر لألمانيا، وهو مشروع صناعة طائرة مصرية بالتعاون مع الجانب الألماني في عهد الرئيس الأسبق «جمال عبدالناصر»، وبالفعل تحرك المشروع وقطع شوطاً بعيداً لكن كارثة 1967م قضت علي المشروع مع غيره من المشاريع العملاقة في مجال صناعة الصورايخ والطائرات والمشروع النووي.. كل هذا تم الشطب عليه مع هزيمة 1967م، وتوقف حتي اليوم، وضاع أمل تصنيع طائرة مصرية الذي بدأته مصر مع الهند في الستينيات من القرن الماضي، واليوم أصبحت الهند دولة نووية أي تعدت تصنيع الطائرات بمراحل بينما قُتل الحلم في مصر، وصرنا إلي ما نحن عليه اليوم.. ولكن نموذج الطائرة «القاهرة 300» ظل موجوداً في أحد المعارض، حيث كان يشاهده المصريون؛ فيعلمون أن بلادهم كانت قادرة يوماً على تصنيع طائرة، وأن إحياء المشروع ليس صعباً، وأن تصنيع طائرة ليس بعيد المنال.. ظل نموذج الطائرة يذكر المصريين بالأمل، فإذا بألمانيا تشتري النموذج بأربعة ملايين جنيه تقريباً، وذلك تقديراً وسعياً منها لوضعه في متاحفها ليتذكر الألمان – بدلاً من المصريين – بأن بلادهم أسهمت مع مصر في بدايات مشروع من هذا النوع فيزداد الألمان فخراً ببلادهم، إضافة إلى فخرهم بنجاحاتها في مجالات عدة معروفة، ولو لم تفكر الحكومة الألمانية يومها في شراء ذلك النموذج ما لامها أحد، فمجالات الإبداع عديدة ومشروعاتهم التي يفتخرون بها كثيرة، ولكنهم يبحثون في أرجاء الأرض عن كل ما يذكر بمجدهم وإنجازاتهم حتي ولو كان نموذج طائرة لم تكتمل.




بينما أزاح نظام «مبارك» هذا الحلم وهذا الأمل من أمام أعين المصريين؛ لينسوا القصة عسى أن يموت الحلم ويقتل الأمل، وذلك كان بيت القصيد في شراء هذا النموذج العظيم. واليوم.. فإن السادة الذين يستميتون في إلغاء نتيجة الاستفتاء لم ينتبهوا إلى أنهم يقتلون فرحة المصريين بأول استفتاء حر في تاريخهم، حيث يؤسسون لانعدام المصداقية في الحياة السياسية – من جديد – وانعدام الثقة من قبل الشعب في نظامهم الجديد، كما يؤسسون لحالة جديدة من السلبية، وانعدام التعاون ولن تتمكن قوة من استعادتها مرة أخرى. لقد بلغ العناد والاستكبار من قطاع كبير من فريق «الدستور أولاً» إلى حد الدعوة إلى مظاهرة مليونية في ميدان التحرير، وقد جربوها ولم تنجح ولم يحتشد لهم في الميدان سوى بضعة آلاف، ويبرر الدكتور أسامة الغزالي حرب رئيس حزب «الجبهة الديمقراطية» في مؤتمره الصحفي الذي عقده في مقر حزبه مساء الثلاثاء الموافق 7 يونيو الماضي قائلاً: هناك ظروف خاصة أحاطت بالاستفتاء على التعديلات الدستورية التى أجريت مارس الماضى»، ولذلك «يحق للقوى الوطنية المتفقة على وضع الدستور أولاً، ثم إجراء الانتخابات الرئاسية تليها البرلمانية، المطالبة بذلك حتى لو عادت لميدان التحرير، أو اضطرت للضغط من خلال مقاطعة الانتخابات».. بالطبع لم يفصح حرب عما يقصده بـ«الظروف الخاصة التي أحاطت بالاستفتاء»، ولو كان لديه أمر محدد يعيب هذا الاستفتاء، أو يطعن في نزاهته أو نتيجته لما تخلف دقيقة واحدة عن إعلانه لكن يبدو أن «العفاريت» دخلت الصناديق وصوتت لصالح التعديلات!! هل هذا منطق؟! ثم تقوم «المصري اليوم» بما يسمى حملة جمع 15 مليون توقيع للدعوة إلى «الدستور أولاً» أي لإلغاء الاستفتاء وإطالة الفترة الانتقالية ليظل مصير البلاد معلقاً في الهواء، ولو أنهم قادرون على جمع 15 مليون توقيع، لماذا لم يجمعوهم أمام صناديق الاقتراع يوم الاستفتاء ليقولوا: «لا» للتعديلات، وإن كان ذلك قد فاتهم فلماذا لا يوفرون جمع التوقيعات، ويحشدون الـ15 مليون مؤيد لهم في انتخابات مجلس الشعب، وعندها سيحصلون علي أغلبية مقاعده، ويشكلون لجنة صياغة الدستور.. ولو أن لديهم القدرة علي جمع 15 مليون صوت فلماذا ينصبون مناحة ويقيمون جنازة تطالب بتأجيل الانتخابات حتى يستعدوا لها؟

! إنهم في الحقيقة مفلسون ويسقطون أنفسهم كل يوم سقوطاً مدوياً. هل رأيتم في تاريخ الأمم المحترمة فئة جاءت نتيجة الاستفتاء أو الاقتراع على غير رأيها، ثم تقوم بعمل استفتاء خاص بها، وتجمع له توقيعات لكي تنقلب على الاستفتاء الشرعي الذي جاءت نتائجه على غير هواها.. هل هذا السلوك يؤسس لدولة تحترم شعبها، أم يؤسس لشريعة الهوي، وسطوة الصوت العالي وشريعة الأقوى صوتاً و«جعجعة» مهما كان رأي الشعب؟!