//Put this in the section //Vbout Automation

حزب الله ليس شريكاً في أي «إخراج» يعترف بالاتهام – عماد مرمل – السفير

دخلت البلاد في مرحلة جديدة مع صدور القرار الاتهامي في قضية الرئيس رفيق الحريري، رسمياً، الامر الذي يفرض تحدياً كبيراً وخطيراً وغير مسبوق في تاريخ لبنان.

ولعل ما يزيد من حساسية الموقف، أن القرار «يقتحم» الساحة المحلية وهي تعاني انشطاراً حاداً، يتخذ أبعاداً مذهبية، ما يؤمن – من حيث المبدأ – بيئة حاضنة ومناسبة لرياح التحريض والتعبئة التي يُمكن أن تهب بقوة على الداخل اللبناني، إذا أراد البعض الاستثمار على القرار الاتهامي، لتحقيق أهداف سياسية، لا سيما أنه يكاد يكون الورقة الاخيرة أو الرصاصة الاخيرة في جعبة العديد من الاطراف، في الداخل والخارج على حد سواء.

ومن البديهي الافتراض ان قوى 14 آذار ستجد في القرار الاتهامي سلاحا نوعيا، هبط عليها في الوقت المناسب وفي عز الحاجة اليه، لتحقيق نوع من توازن الرعب أو الردع مع الاكثرية الجديدة، بعدما خرجت تلك القوى من السلطة بطريقة دراماتيكية، وضعت كل مكتسباتها السابقة في مهب الريح. وأغلب الظن، أن المعارضة الجديدة ستلتقط أنفاسها الآن، مفترضة أن القرار الاتهامي الذي يطال أسماء في «حزب الله» الممثل في السلطة السياسية، سيوفر عليها الكثير من الجهد لتهشيم صورة الحكومة وإسقاطها سريعا، خصوصا إذا رفضت هذه الحكومة التجاوب مع القرار ومفاعيله، الامر الذي سيضعها في موقع المتهم، بعدما حاول بعض رموزها أن يضع فريق 14 آذار في قفص الاتهام، على خلفية ملفات الفساد والسرقة.

وعلى الضفة الاخرى، ستجد الاكثرية نفسها، في بداية تجربتها وقبل أن تنال الثقة، أمام اختبار دقيق محليا ودوليا، يتوقف على نتائجه مسار مستقبلها، وربما سيكون موقع الرئيس نجيب ميقاتي هو الأدق، باعتباره يقف على تماس مباشر مع بيئته من جهة ومع المجتمع الدولي من جهة أخرى، في حين أن «حزب الله» سبق له أن أعلن منذ فترة طويلة انه غير معني بالمحكمة الدولية، بعدما بات مقتنعا بأنها مسيسة بامتياز.

وإذا كانت الحكومة قد استطاعت إيجاد «توليفة» مركبة لمقاربة ملف المحكمة الدولية، حازت تهنئة الامين العام للامم المتحدة بان كي مون الذي بدا مسرورا من تأكيد البيان الوزاري احترامه القرارات الدولية، إلا ان الأصعب يتمثل في مدى تمكن هذه التوليفة السياسية من التعامل مع استحقاق القرار الاتهامي، بما يحقق الغاية من وضعها وهي التوفيق بين مقتضيات مراعاة المجتمع الدولي وحساسية البيئات اللبنانية المؤيدة للمحكمة من جهة، وبين متطلبات الحفاظ على الاستقرار الداخلي وقناعة أطراف لبنانية أخرى بأن هناك مؤامرة تستهدف السلم الاهلي والمقاومة تحت شعار الحقيقة من جهة ثانية.

ويؤكد العارفون أن كل حرف في بند المحكمة الدولية في البيان الوزاري نُحت نحتاً، ليأتي في مكانه ويختزن المعنى المراد إيصاله، بحيث جاءت الصياغة النهائية مدروسة ومحبوكة كحل وسط بين الطرح الداعي الى الالتزام بالمحكمة وذاك الرافض لأي ذكر لها، وهذا ما عبر عنه النص المعتمد بإشارته الى «متابعة مسار المحكمة التي أنشئت مبدئيا لإحقاق الحق والعدالة، بعيدا عن التسيسس والانتقام، بما لا ينعكس سلبا على استقرار لبنان ووحدته وسلمه الاهلي».

وقد أتاحت هذه الصيغة للحكومة هامش أن تبقى على مسافة من المحكمة من دون أن تعاديها، وللرئيس نجيب ميقاتي أن يضيف الى موسوعة الوسطية مادة جديدة، ولـ«حزب الله» أن يبقى منسجما مع موقفه الأصلي المؤيد للحقيقة والعدالة والرافض لتسييس المحكمة وانحرافها عن المهنية، علماً أن الصياغة التي تم التوافق عليها تؤشر الى مرونة أبداها الحزب، لتسهيل ولادة البيان الوزاري، بعدما كان يحبذ عدم الإتيان على ذكر المحكمة، وهذا ما كان ميقاتي نفسه قد أوحى بموافقته عليه، عند تكليفه بتشكيل الحكومة، كما تقول بعض المصادر المطلعة.

ولكن، كيف سيتصرف «حزب الله» بعد صدور القرار الاتهامي؟

لا تشي أجواء الحزب بأن القرار قد أصابه بأي عارض من عوارض التوتر أو الإحراج، وهو الذي كان يستعد له، بل يستعجله، بعدما تحول التلويح المستمر به الى وسيلة ابتزاز سياسي. ولعله ليس من المبالغة القول إن الحزب كان يتمنى أكثر من خصومه، صدور القرار أمس قبل اليوم، من أجل وضع حد لـ«الحرب النفسية» التي كانت تشن ضده، ولتبيان صحة اتهامه المزمن للمحكمة بأنها مسيسة، بعدما يتضح وجود تطابق بين مضمون القرار والتسريبات القديمة التي كشفت منذ وقت طويل عن أنه سيضم أسماء في «حزب الله»، لا بل ربما اختيار التوقيت جاء في معرض تأكيد المؤكد.

وبهذا المعنى، فإن ما ساعد الحزب على تلقف القرار الاتهامي بأعصاب باردة وهدوء شديد هو أنه استبقه منذ نحو سنة تقريبا بحملة منظمة ومنهجية، أدت الى تفريغه من مضمونه وامتصاص زخمه، ثم تحسّب له سياسياً عبر قرار إسقاط حكومة الرئيس سعد الحريري والدفع نحو الإسراع في تشكيل حكومة نجيب ميقاتي.

ولا يخشى الحزب من احتمال التحريض عليه، بعد ولادة القرار الاتهامي، لأنه يعتبر أن هذا النوع من الاستهداف ليس جديدا، وقد سبق أن تعرض له بأشكال مختلفة خلال السنوات الماضية، وتكفي برأيه العودة الى محاضر «ويكيليكس» للتثبت من حجم التحريض المباشر الذي مورس ضده، خلال حرب تموز، على سبيل المثال.

ويعتقد الحزب انه اذا أراد البعض توظيف القرار لشن حملة سياسية أو مذهبية عليه، فإن هؤلاء سيكتشفون سريعا ان لا أفق لهذه الحملة، وان لا إجابة عن السؤال الآتي: ماذا بعد؟ وما هي الخطوة اللاحقة؟

يؤكد «حزب الله» بعد ساعات من صدور القرار، انه ليس خائفا ولا قلقا، وان من يظن انه في مأزق هو واهم ومخطئ، مبديا ثقته في أن لا مفاعيل عملية للقرار الذي سيقتصر دويه على الجانب الإعلامي.

وفي انتظار تبيان الطريقة التي ستتعامل بها الحكومة مع القرار الاتهامي، يبدو الحزب معارضا للإخراج القائم على الترويج لفكرة ان الاجهزة المختصة تحركت على الارض، وحاولت الوصول الى المتهمين، ولكنها أخفقت، لأن من شأن ذلك أن يوحي بأن القرار مقبول بحد ذاته، وأن التهمة واقعية، الامر الذي يعارضه الحزب ويرفض أن يكون شريكا في تغطيته، علما ان سعد الحريري كان يمكن أن يسير بمثل هذه الصيغة، وبالتالي أن يبقى رئيسا للحكومة، لو ان «حزب الله» وافق عليها في حينه.