ماذا بعد إدخال طرابلس الحرب الأهلية في سوريا؟ – جهاد الزين – النهار

يحاول هذا المقال توصيف انتقال طرابلس من مرحلة "لبنان أولا" الى مرحلة "سوريا أولا" وتبعات ما يعنيه ذلك من إدخالها في "الحرب الأهلية السورية" وتحولها الى "العاصمة الجنوبية" لهذه الحرب

من الواضح ايا تكن الانقسامات الطائفية و السياسية عميقة في لبنان و تأثرها بالاحداث الجارية في سوريا فان "نمط" او"انماط" التعبيرات التي ظهرت في طرابلس (الشام) حيال الوضع السوري المستجد تعيد تسليط الضوء – لكن اكثر واخطر من اي مرة سابقة – على ان طرابلس تتجه بارادة بعض قواها  الى  ما يمكن ان يحولها الى "العاصمة الجنوبية" للحرب الاهلية السورية على الطرف الساحلي الآخر من ديموغرافيا "عاصمتها الشمالية" هي اللاذقية على مسافة تمتد اكثر من ماية وخمسين كيلومترا بين "العاصمتين"




ما حصل في طرابلس في الاسابيع الاخيرة لم يحصل مثله في اي منطقة لبنانية اخرى.ففضلا عن التظاهرة التي دعا اليها حزب التحرير الاسلامي وامكن بعد جهود العديد من قيادات المدينة حصرها في نطاق مكاني ضيق حول احد الجوامع، بدا اللقاء الذي أعلن عن عقده، خبرا وصورة، وضم اربعين "عالما" او رجل دين سلفيا (البعض قدر عددهم بمائة) نوعا من اعلان "رسمي" عن الدخول الطرابلسي على الحرب الاهلية في سوريا لغة وموقفا تحت عنوان الدفاع عن "المسلمين" في سوريا ضد "الكفار"، و ليس من لغةِ اعلانِ حربٍ اهليةٍ اجلفَ واعنف من هذه "اللغة"… فمن شأنها وحدها، حتى لو لم يكن الصراع "أهليا "، ان تؤهله !!! ثم جاءت تظاهرة باب التبانة الاخيرة – على محدوديتها – كتعبير يعرف الجميع انه يمكن ان ينفجر امنيا في اي لحظة

نكشف ما هو مكشوف. فلا اسرار في العصبيات المذهبية اللبنانية، مسلمين ومسيحيين، لان الفارق في النظام الطائفي الذي نعيش هو فارق السلوكيات لا العصبيات اذا جاز لي القول عن الحالة اللبنانية المعتادة "طبقتها" السياسية على بيع الخدمات للقوى الاقليمية والدولية بما فيها الحرب الاهلية فكيف اذا كان قسم كبير من البائعين والسماسرة باتوا الآن يملكون جوازات سفر من دول غربية تقيهم الغائلة الامنية اذا لزم الامر خلافا لما كان عليه الامر في الحرب الاهلية السابقة التي لم يكونوا قد استعدوا لها تجنساً عندما بدأت. هذا في "الشخصي" اما في السياسي فقد تحول النظام الطائفي اللبناني الى جمهوريته الثانية بعد عام 1990 لا من حيث انتقاله الى ثنائية سنية شيعية مهيمنة بدل الثنائية السابقة الاسلامية المسيحية فحسب، بل ايضا كون القوتين المهيمنتين جزءا لا يتجزأ من قوتين اقليميتين كبيرتين لا مجرد تابعين لها على النمط القديم للعمالة اللبنانية الطوائفية. انه انتقال من "عمالة القناصل" في الحالتين المسيحية والدرزية الى "عمالة القصور الحاكمة" في الحالتين السنية والشيعية

سأوافق فورا بمعيار السلوكيات لا المشاعر على الرأي القائل ان مظاهر الانخراط الطرابلسي في الحرب الاهلية السورية هي من فعل فئات محدودة العدد في المدينة، المدينة التي تنعم بمفتٍ عاقل ومنفتح هو الشيخ مالك الشعار وبنخب ذات تقاليد ليبرالية لم تُبقِ لها الاقدار سوى تطلعاتها السيكولارية من دون بنية علمانية. لكن محدودية العدد لا تمنع خطورة الفعالية خصوصا اذا كان الصراع مكشوفا على المستوى الاعلامي بين حلفاء واعداء النظام السوري انطلاقا من بيروت

…. انما لبيروت فضيلة يجب ولا بد من الاعتراف بها في هذا الصراع اللبناني-اللبناني على سوريا! انها وجود مجموعات شابة تعتبر نفسها جزءا من الموجة الشبابية العربية التي اطلقت (ولم تصنع وحدها) حركتي التغيير "النظيفتين" في مصر وتونس، وهذا الجزء الشبابي اللبناني- بما فيه ناشطون شباب طرابلسيون – يعبر عن نفسه من بيروت اساسا  فينطلق في موقفه ضد النظام السوري من اعتبارات ديموقراطية اصيلة لا علاقة لها قطعا بالتحريض المذهبي لاسيما المأجور. والعديد من هؤلاء الشباب – الا اقلية – رفضوا الانخراط في اي تحرك يرمي تحويل دعمهم للحركة الاحتجاجية الشعبية في سوريا الى تأجيج مذهبي. هؤلاء لانهم يعيشون في بيروت هم من كل المناطق والطوائف

رغم وجود الطائفيين والمذهبيين في بيروت، سنة وشيعة ودروزا ومسيحيين، فان التنوع البيروتي يجعل الامر مختلفا عن طرابلس.  فعدا قرب الاخيرة الجغرافي من شمال سوريا الغربي (كانت لمئات السنوات مرفأً لمدينة حمص كما لبندري طرطوس وبانياس حتى عام 1920 وقليلا بعدها)… فانها المدينة الوحيدة في لبنان التي تشهد خط تماس ثابتا بين حيين سني وعلوي بحكم وجود تجمع سكاني علوي كبير على تلالها الشرقية الشمالية معروف باسم بعل محسن، وهو الكثافة العلوية الكبرى لهذه الاقلية اللبنانية ذات التمركز الطرابلسي الذي يشكل نهاية شريط متناثر من القرى يبدأ من (او الاصح يمر بِـ)  عكار. ولعل فيللا علي عيد، احد زعمائها اللبنانيين، التي اقامها عند مياه النهر الكبير الفاصل بين لبنان وسوريا في سهل عكار باتت نقطة البداية – النهاية العسكرية الرومنطيقية لهذه المجموعة التي جعلتها الظروف السياسية الطرابلسية "على سلاحها" بشكل دائم في مقابل الحي السني الاكثر فقرا  وقتالية في المدينة، بينما تقبع البورجوازية الطرابلسية والجزء الصاعد من الطبقة الوسطى بعيدا الى جهة الغرب حيث المطابخ المحلية الوكيلة للصراع!

هل من طموح غير واقعي او حتى من السذاجة مطالبة القوى الشبابية العلمانية كما القوى الديموقراطية غير المذهبية من مختلف الاجيال في طرابلس ان تأخذ مبادرة سياسية لدعم السلم الاهلي في المدينة عبر انشطة  سياسية بين المجموعات المعنية بما يجب ان يؤدي الى الفصل بين البعد المذهبي وبين البعد الديموقراطي للاحداث في سوريا، هذا الفصل الذي ينطلق من النظر اليها ضمن الموجات الديموقراطية العربية التي تطالب بالتغيير هنا وبالاصلاح السياسي هناك كما هو الامر ضد البنية الامنية للنظام السياسي في سوريا؟

مسؤولية قوى التغيير الديموقراطي الصاعدة في العالم العربي (وايران)، في صلب نضالها الديموقراطي ان تفكر ايضا في مخاطر الاستخدام المذهبي للصراع من اي جهة اتى، باعتباره في المشرق العربي الهاوية العميقة لا للقضية الديموقراطية وحدها بل لكل طموح وطني وتحديثي وحر

خطير الموقف في كل لبنان… ولكنه هذه المرة قد يصبح اخطر ما يمكن في طرابلس التي تدخل او تُدخَل مرحلة "سوريا اولا" بعد اضطرارها الى المبالغة في الصراخ المفتعل "لبنان اولا" فترة غير قصيرة كما تفعل في الواقع كل الطائفيات الاخرى بما فيها الشيعية باستثناء حفنة من المسيحيين ذوي النوايا الحسنة.  فصورتنا التقليدية عن القلب والوسط والاطراف على الخارطة اللبنانية  تحتاج الى تفرس ان لم يكن الى مراجعة عندما ينفتح الاطلس الصراعي السوري. وقد انفتح…