ثورة الشعوب العربية والدور الأمريكي

 




تحسين التل – بيروت أوبزرفر

 

يسجل التاريخ العربي الحديث بأحرف من نور ثورات الشعوب العربية ضد حكامها العرب، لتنتزع حريتها بقوة الفوضى الخلاقة، بعد أن جثم الزعماء على صدور شعوبهم مستغلين عفويتهم وطيبتهم وإيمانهم المطلق بحتمية وجود الحاكم رمزاً يقتدى به، ويلتف حوله الجميع لتحقيق الأفضل، والتقدم نحو حياة ديمقراطية، وحريات كالتي يمارسها أبناء الغرب في بلادهم، ويبقى الإعتقاد السائد بأن التغيير ربما يتأخر بعض الوقت، لكنه قادم على يد الحاكم المباركة، ويبقى متعقداً أن شعبه تحت السيطرة، ولا يعشق في الدنيا غيره حتى يفاجأ بثورة شعبية عارمة تأكل الأخضر واليابس، فلا تبقي ولا تذر، مع أن الشعوب قد منحت الحاكم سنوات طويلة للإصلاح والتغيير لكن دون جدوى، مع الأخذ بعين الإعتبار: التمادي، والتشدد، من قبل الرئيس بسبب تصوير الأمر على أنه مجرد مظاهرات عابثة عابرة لا تلبث أن تنتهي في الوقت المناسب، وهنا الطامة الكبرى؟

الحاكم العربي ينسى طوال مدة حكمه أنه ما وجد في هذا المنصب إلا ليكون خادما لشعبه، وليس إلهاً يحكم بالعصا، ويدير الدولة عن بعد بواسطة الريموت كونترول، ينسى أن الشعوب العربية لها حقوق ومطالب تتعلق بالتعليم والصحة والعمل والحياة الأفضل، ولا يجوز بأي حال من الأحوال أن يكون الحاكم مالكاً لكل شيء، المال والثروات والأرض والدولة، فيمنح من يشاء، ويحجب عمن يشاء، يقرب الخاصة ويبعد العامة، يهلك شعبه بالضرائب، من أجل رفاهيته ورفاهية حاشيته، يزيد من أعباء الدولة ويرهق موازنتها العامة، ويترك الشعب ليحل مشاكله وحده بدفع مديونية لم يكن سبباً بوجودها، وإنما سوء الإدارة والتخطيط، والنهب الذي يمارس بأساليب ممنهجة، إضافة الى الفساد الذي يصبح مؤسسي ويؤدي بالدولة الى الهاوية؟

الشعوب العربية الثائرة استطاعت أن تسبق النخب السياسية، وتتفوق على أسلوب تفكير الأحزاب التي كانت ولا زالت تخطط للمشاركة في عمليات الإصلاح السياسي والإقتصادي، تفوقت الشعوب العربية على حكوماتها بالتخطيط السليم المنطقي، وفرضت نفسها، وأمسكت بزمام المبادرة، وسيطرت على الشارع العربي بعد أن غابت سنوات؛ كانت مهمشة ليس لها من الأمر شيئاً… الشارع العربي سجل انتصارات غاية في الروعة، وكانت نموذجا راقياً يسجل في سفرها، وقد دخلت التاريخ من أوسع أبوابه، لأنه اعتمدت على العفوية ودون تخطيط مسبق.

إن تحرك الشعوب العربية جاء بشكل عفوي ودون تخطيط كما ذكرنا؛ بعد أن رزحت تحت نير احتلال من نوع يختلف عن النوع القديم، فالإستعمار القديم اعتمد على تجهيل الشعوب، وتجويعها وقمعها بالنار والحديد، وساعد في ذلك الأمر خيانة الحكومات حتى أصبحت الشعوب تواجه عدة أعداء: الإستعمار، والحكومات المساندة للإستعمار، والخيانات التي تعمل بين الشعوب… اليوم وبعد أن تحررت الشعوب من الإستعمار القديم، سقطت بين براثن استعمار حديث هدفه: تجويع الشعوب لتبقى في متناول اليد، حرمان من التعليم إلا للذوات وأبناء الخاصة دون العامة، والعلاج شبه مستحيل في ظل تقليص الخدمات في المستشفيات العامة، ورفعها في المستشفيات الخاصة، وهي للنخبة فقط، وانتزاع حق الشعوب في العيش الكريم، وفي ظل قوانين الطوارىء المعمول بها في الدول العربية، وفي ظل الأحكام العرفية السائدة؛ مما أدى الى فقدان الشعوب الأمل في التغيير مع حكام مستبدين، لا يرقبون في شعوبهم إلاً ولا ذمة.

كما أن الفساد استشرى في العديد من الدول العربية، وأكاد أجزم أن أغلب الدول العربية تعاني من ظاهرة الفساد الممنهج، الذي يستند على دعم السلطة دعماً مطلقاً، فلا يرى المواطن العربي أي تقدم على مستوى مكافحة الفساد، ويمكن أن نقول إن عمليات مكافحة الفساد لا تتعدى؛ تصريحات من مسؤولين يقفون على قمة هرم الفساد، ولا تخرج من بين الملفات لترى النور، ولم نشاهد مسؤولاً واحداً تم تقديمه للمحاكمة، وإن حوكم سيتم سجنه في معتقل أو منتجع ترفيهي، أو في بيته إلى أن يكمل مدة محكوميته، وبعض الفاسدين يتم تهريبهم أو تأمين وظائف خارج بلدانهم كما حدث في الكثير من الدول العربية.

لقد اعتمد الحكام العرب على جيوشهم لقمع المظاهرات، لكنهم فشلوا في السيطرة على قيادات الجيش وعلى سبيل المثال؛ حاول بن علي أن يجيش العسكر لصالحه لقمع الشعب التونسي، فلم يفلح، وحاول مبارك أن يجعل الجيش أداة بيده لمنع انتشار المتظاهرين، لكنه أخفق وانقلب الجيش ضده وتعامل مع المتظاهرين بحياد تام، بل قام الجيش المصري بحماية الشعب حتى انتصر في نهاية المطاف، أما في اليمن وليبيا فالجيش انقسم بين مؤيد ومعارض لكنه لم يلبث أن اصطف الى جانب الشعوب التي بدأت رسالة الخلاص من نير الحكام المستبدين بشعوبهم.

هنا يأتي الدور الأمريكي الذي خذل بعض الأنظمة التي كانت تعتمد في سياستها على الرعاية الأمريكية، فالدور الذي تمارسه أمريكا يأتي في مصلحة الشعوب وليس في مصلحة الحكام، لأن أمريكا بالنهاية وإن كان يهمها مصالحها الإستراتيجية، يهمها أيضاً تطبيق الديمقراطية، وحقوق الإنسان، وتعرف جيداً كيف تتعامل مع القيادات الجديدة، ولن تدعم زعيماً عربياً يتهاوى بين شعبه، مع أنها تدعم الحكام الذين لا زالوا في الحكم، فلا يساوم الحاكم العربي على الدعم الأمريكي لأنه سيفشل كما فشل غيره من الحكام الساقطون في مستنقع الفوضى؛ تلك الفوضى التي اصطنعوها فانقلبت ضدهم وجرفتهم واحداً تلو الآخر؟