الثورات العربية.. رحلة نحو التغيير والبحث عن الذات – حسان القطب

عقود طويلة مضت وبعض القيادات العربية الحاكمة تحدد مسار شعوبها السياسي والاقتصادي مع الحرص على أن تبقى ضمن ثوابتها الشخصية، وبما يخدم مصالحها العائلية والحزبية وحتى الطائفية منها، ومنعت هذه القيادات عن شعوبها كل حق في النقاش والاعتراض على أي سياسة أو واقع اجتماعي واقتصادي ومعيشي معين، وحرمتها استعمال واستخدام كل منابر الحوار والتواصل مع المواطنين للتعبير عن تطلعاتها وطموحاتها، وربطت هذه الأنظمة سلطتها بعناوين حماية القضية الفلسطينية والشعب الفلسطيني وتحقيق التحرير وتثبيت حق العودة، واعتبرت القضية الفلسطينية أولوية وطنية وإقليمية وقومية تتجاوز في أهميتها كل برامج التنمية المحلية ومشروعات التطوير الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي، واعتبرت أن لا صوت يعلو فوق صوت المعركة، وأشاعت أن العمل السياسي إن لم يكن تحت شعار التحرير والمقاومة والممانعة وحماية النظام ورموزه، فإنما هو لخدمة توجهات أجنبية تستهدف هذا النظام وقياداته وأفكاره ومشاريعه وتوجهاته وخططه، وكذلك لخدمة المشروع الإسرائيلي كمقدمة لإلصاق وإطلاق الاتهام بالعمالة والخيانة، وبالتالي لم يعد هناك من مبرر لنشوء وقيام وتأسيس أحزاب وطنية وحتى هيئات اجتماعية مدنية مهما كانت عناوينها وتوجهاتها، لأن الحزب الحاكم أو القائد الملهم وفريقه سواء كان حزبه أو عائلته أو طائفته إنما يلحظ في تفكيره وتوجهاته وتطلعاته من موقعه المتقدم في قيادة الأمة والشعب كل ما قد يفكر فيه مواطن عادي أو حتى مجموعة من المواطنين..


وقد أضاف البعض على نظام حكمه نوعاً من صفة الضرورة الوجودية، بحيث يكون سقوطه أو التخلي عنه ضرباً من الجنون أو من العبث السياسي الذي تترتب عليه مشاكل أمنية خطيرة في دولته أو في محيطه، وتتكفل وسائل إعلامية وقيادات سياسية لتتحدث محذرةً عن الفوضى المتوقعة سياسياً وامنياً، والأخطار المحدقة ببعض المجموعات الإثنية أو الأقليات العرقية أو الدينية في هذه المنطقة نتيجة هذا السقوط أو التحول السياسي المتوقع في هذه الدولة أو تلك، فقد تحدث القذافي في بداية الثورة على نظام حكمه عن دور تنظيم القاعدة المفترض في ليبيا في حال سقوطه والأخطار التي ستتهدد أوروبا والعالم نتيجة عدم بقائه في السلطة.. واليوم انتقل هذا الموضوع ولكن بعناوين مختلفة إلى التحذير والتنبيه من تداعيات ونتائج الوضع المتفجر في سوريا، حيث يتطوع البعض في لبنان وغير لبنان ليتحدث عن المخاطر التي قد تنتج نتيجة سقوط نظام الأسد في سوريا والتداعيات والمعاناة التي قد تصيب الأقليات في المنطقة العربية وخاصةً في سوريا ولبنان..وكان المطلوب أن تبقى حالة الظلم والقهر مستقرة في سوريا ولو على حساب كافة شعوب المنطقة وبالتحديد في سوريا كضمانة استقرار لمجموعة أو فئة، رغم أن الثورة أو الانتفاضة في سوريا وغير سوريا اندلعت نتيجة سياسات القهر والتعذيب والاعتقال التعسفي وسوء الإدارة الاقتصادية والحالة الاجتماعية التي تمارسها هذه الأنظمة ولم تنطلق هذه الثورات أو الانتفاضات تحت عناوين وشعارات دينية أو عرقية أو حتى قبلية وعشائرية..ولتدعيم وجهة النظر هذه فقد نشرت جريدة النهار ما مفاده: (ينشط بري أيضا على "جبهة باريس" في إطلاق عملية دعم لنظام الأسد والتحذير من انفلات الوضع الأمني في سوريا وانعكاسه على لبنان.وهذه الخلاصة السياسية ابلغها بري بحسب معلومات لـ"النهار" إلى قصر الاليزيه، مفادها أن عدم الاستقرار في سوريا سيؤدي إلى الوضع نفسه في لبنان.




وحذر من التلاعب بهذا الشريان الحيوي الذي يربط قلبي البلدين. وإذا أفلتت الأمور في سوريا فان لبنان سيكون أول بلدان المنطقة الذي تنتقل إليه هذه الشرارة التي ستفتك في حال اندلاعها، على قوله، بكل مقومات لبنان..ودعا بري الفرنسيين إلى التدقيق جيدا في أوضاع المسيحيين في المنطقة العربية وما اختبروه من مجازر وحمامات دم في العراق، لم توفر كنائسهم وديارهم، وان العدد الأكبر منهم وجد في سوريا الملاذ الآمن. والمطلوب من باريس أن تعي جيدا حقيقة ما يحصل في سوريا إذا خرجت الأمور عن السيطرة والمطلوب في النهاية الحفاظ على كل مكونات هذا البلد من المسلمين والمسيحيين.ويؤيد رئيس المجلس الإصلاحات التي يقدم الأسد على تنفيذها في بلاده. وقد حذر في رسالته إلى القيادة الفرنسية من اللعب بخريطة سوريا وممارستها الضغوط على نظامها)… أما وئام وهاب رجل سوريا في لبنان فقد قال في كلمة له: (إن التدخل الغربي في سوريا مستحيل، وهو يعني أن عشرات الآلاف من الصواريخ ستتساقط على المستوطنات الإسرائيلية. وهذا يعني أن كل المنطقة ستشتعل من فلسطين إلى العراق)..والبعض من الإعلاميين والسياسيين قد بدا يتحدث عن ضرورة الحفاظ على الترسانة العسكرية السورية من الفوضى القادمة مع ما قد تحتويه من أسلحة كيماوية وصاروخية قد تستعمل أو تتطاير في كافة الاتجاهات وهذا يتطابق مع كلام وئام وهاب.. وهذا معناه أن استقرار وبقاء النظام السوري ضروري ليس للشعب السوري فقط بل للمنطقة وخاصةً المستوطنات الإسرائيلية بحسب الناطقين باسم النظام السوري، واستقرار هذا النظام ضروري ليس لقدرته على تطوير البلاد وحياة شعبها ومواطنيها بل كضمانة لضبط إيقاع الصراع مع إسرائيل وإبقاء لبنان مستقراً أيضاً كما أشار نبيه بري، وحماية الأقليات في المنطقة من عبث العابثين، وضمان السيطرة على الترسانة العسكرية السورية من قبل النظام الحالي الذي لا يهدد باستعمالها إلا في حالة تعرضه للسقوط وليس لتحرير الأرض كما ذكر وأكد وئام وهاب..


لكن واقع الأمر يقول أن الثورات العربية جميعها ودون استثناء قد رفعت شعارات الإصلاح وتحقيق التنمية ومعالجة مشاكل البطالة وزيادة فرص العمل للشباب العربي الذي يضطر للهجرة الشرعية وغير الشرعية للعمل في دول محيط البحر المتوسط وغيرها مع ما يتعرض له من مخاطر وعراقيل وصعوبات، كما طالبت كافة التظاهرات في مصر وتونس وليبيا وأخرها ولا زالت ناشطة في سوريا بتعددية الأحزاب والسماح بحرية الإعلام والعمل السياسي، فأين الخطر الذي يتهدد الأقليات والإثنيات الدينية والعرقية في المنطقة وقد خرج المسيحيين والمسلمين وأبناء سائر الديانات ومختلف الأعراق في مسيرات واحدة موحدة لتحقيق التغيير والخروج من دائرة التسلط الديكتاتوري والفكر الشمولي للأحزاب والعائلات الحاكمة، صحيح انه قد تقع أخطاء وممارسات غير مقبولة ولكنها تبقى ضمن دائرة الصراع المحتدم للخروج من واقع مرير إلى رحاب مرحلة أكثر إشراقاً وأملاً.. فأيرلندا الشمالية مثلاً لا تزال إلى اليوم تعانى من بعض المشاكل بين المذاهب ولكن هذا لم يمنع من بناء دولة ومجتمع متطور وناهض تحت سقف الاتحاد لأوروبي وهي لا زالت خاضعة للتاج البريطاني.. ومجزرة بلدة سربرينيتشا المسلمة التي وقعت في دولة البوسنة والهرسك خلال عقد التسعينات على يد الصرب المسيحيين لم تمنع الاتحاد الأوروبي والمجتمع الدولي من مساعدة هذه الدولة الناشئة على إعادة بناء ديمقراطيتها ولمّ شمل المسلمين والمسيحيين وتجاوز هذه الأزمة العابرة رغم عمق جراحها.. وما جرى في العراق من هجمات مجرمة بحق الأقليات الدينية والتي أشار لها بري في نصيحته للفرنسيين، لم تكن لتقع لو مارست دول الجوار وعلى رأسها سوريا وإيران سياسة عدم التدخل في الشأن العراقي والعمل على تأجيج الصراعات الدينية والعرقية..


أبناء الأمة العربية الذين أعلنوا ثورتهم التي تنتقل اليوم من دولة إلى دولة ومن وطن إلى وطن، إنما يعانون وفي كافة دولهم من الأزمة عينها ومن سوء الأوضاع نفسها مهما اختلف اسم الكيان أو الوطن، وانتفاضة هذه الشعوب على واقعها السيئ والمؤلم يجب مناقشة أسبابها بموضوعية والتعامل مع تداعياتها بكل صدق وشفافية، والعمل على مد يد المساعدة لأبناء هذه الدول ومواطنيها لبناء ديمقراطيات وسلطات وطنية حقيقية يتم تداول إدارة مؤسساتها بين أبنائها دون ضغط أو إكراه أو تسلط، بل عبر نتائج صناديق الاقتراع التي تفرزها انتخابات حرة ونزيهة، وان يتم تطوير البنية الاقتصادية والحالة الاجتماعية لهذه الدول ومواطنيها لاستيعاب الشباب الطامح لبناء مستقبله في بلاد غنية بثرواتها وإمكاناتها المالية..فرحلة البحث عن الذات في العالم العربي قد بدأت، ومسيرة التغيير والتطوير قد انطلقت، ولن تخيف شعوبها بعد اليوم سياسة قمع التظاهرات وقتل المتظاهرين والاعتقالات التعسفية، وإطلاق تصريحات تحذيرية من مستقبل قاتم وأسود وخطير في حال سقوط هذا النظام أو ذاك عبر هذا السياسي وغيره.. ولن تجدي نفعاً تلك السياسة الإعلامية القائمة على ترهيب المواطنين من بعضهم البعض على قاعدة احتمال نشوب صراعات بين أقليات واكثريات دينية وعرقية، لأنه في حقيقة الأمر لا يمارسها أو يطلقها أو يبشر ويحذر منها إلا من كان مستفيداً منها ويعيش عليها، ويبني سلطته وزعامته على أشلاء أبنائها حين يدفعهم للصراع مع إخوانهم في الوطن والمواطنة، ليس لحماية أبناء الطائفة أو العرق أو القبيلة والعشيرة أو الوطن والنظام، بل لحماية مكتسباته وعائلته وسلطته وجبروته وزيادة ثرواته وبقائه على كرسي السلطة باسم شعبٍ يعاني ومواطن يتألم سواء كان من الأقلية أو الأكثرية..