كلام المفتي قباني عن ميشال عون – جان عزيز – الأخبار

ليست تفصيلاً تلك الحملة التي شنّها المفتي قباني على العماد عون. خطورة الأمر أن الكلام صادر عمّن يمكن اعتباره مرجعية روحية لجماعة أساسية في لبنان، وأنه يستهدف ما هو في الواقع مرجعية سياسية لجماعة أساسية أخرى. الأولى تملك نظرياً صلاحية التحليل والتحريم، والثانية تمسك فعلياً بمسؤولية التحريك والتحسيس. والاثنتان، من موقعين متقابلين جماعتياً، يمكن أن تعلنا، في صراعهما وتضادهما، زوال البلد وقتل فكرته وموت ميثاقيّته… لولا بعض التفاصيل

ومن أهم التفاصيل أن الوجدان السنّي اللبناني بات في مكان آخر. هذا الوجدان الذي وقف ضد الكيان سنة 1920، والذي ظل ملتبساً حيال الدولة وهويتها ووظيفتها طيلة زمن جمهوريتها الأولى، والذي بقي يتماهى مع أي زعامة خارجية مخاصمة للدولة والكيان اللبنانيين، من عبد الناصر إلى أبو عمار… هذا الوجدان نفسه بات اليوم عنصراً توحيدياً للبنان الراهن




صحيح أن سمة «التوحيد» من الخصائص التكوينية للوجدان السنّي عموماً، وهي متجذرة لا بل أصيلة في كل طبقات شخصيته القاعدية. فالتوحيد موجود في هذا الوجدان بدءاً بالمستوى الإيماني لديه ولدى جماعته، حيث الله «واحد» موحَّد وموحِّد، حتى رفض التمايز ونقض الآخر المتمايز، ولو في نظرته إلى الله نفسه. والتوحيد موجود في الفكر السنّي على المستوى العقيدي ثانياً، حيث التوحيد في مفهوم الله يتجلى توحيداً مطابقاً ومقابلاً، بين المقدس والدنيوي في الفكر السنّي الإسلامي. وهذا مفهوم قرآني أصيل، وإن كان يجد في الفقه السنّي ذروته، بحيث يخضع كل أنشطة الإنسان والمجتمع للمفهوم الديني، من أركان الإيمان وصولاً إلى قصيدة لمحمود درويش أو أغنية لمارسيل خليفه أو رقصة لموريس بيجار…تماماً كما شاهدنا وشهدنا طيلة الأعوام الماضية، قبل أن يبلغ التوحيد نفسه المستوى الفلسفي السياسي والاجتماعي: فلا تمييز بين مؤسسة الدين ومؤسسة الدولة. أصلاً لا مؤسسة دينية في الإسلام السنّي، ولا طبقة رجال دين لديه. لا إكليروس ولا «سيَّاد» ولا «عقَّال»

 الكل منتظم في «توحيد» الدولة الإسلامية، حتى يكون المفتي فيها مجرد موظف لديها، تماماً كما الشرطي والمأذون والقاضي. توحيد يجد تعريفه الأبهى في لقب «أمير المؤمنين» على رأس الخلافة. فمفردة الأمير تأتي بالدولة، ومفردة المؤمنين تأتي بالأمة، إلى ذلك التوحيد الإلهي الذي لا فكاك له. كل هذا القدر من التوحيد موجود في الوجدان السنّي عموماً، واللبناني طبعاً. غير أن عناصر أخرى لا تقل أهمية أضيفت إليه في الأعوام القليلة الماضية. أوّلها انتقال هذا الوجدان في إدراكه لنفسه، من الأطر الخارجية إلى الإطار اللبناني الوحدوي البحت. وهذا إنجاز سيسجل في تاريخ الجماعة السنّية في لبنان باسم رفيق الحريري لا غير. وإن كانت مأساة القدر قد شاءت أن تسجله له لا في حياته، بل بعد مماته. وقد يقول البعض إنه إنجاز سيسجّل باسمه، لا بفضل حياته، بل نتيجة مماته بالذات

غير أن عاملين توحيديين آخرين أضيفا في الأعوام الأخيرة أيضاً إلى نظرة هذا الوجدان حيال لبنان والدولة فيه، بحيث بات من الممكن لأي لبناني غير سنّي أن يفكّر أو يتصوّر أو يتخيّل لبنان دولة غير موحدة بشكل من الأشكال… إلا اللبناني السنّي. العامل الأول وُلد نتيجة إدراك المواطن اللبناني السنّي لموقعه السلطوي في النظام الجديد المنبثق من اتفاق الطائف ودستوره، حيث هو ممثل في رئاسة مجلس الوزراء. وحيث هو الموقع الدستوري الإجرائي والتنفيذي الأول في البلاد. وحيث هو، بفضل الوقائع العملية من علاقات خارجية وقدرات مالية ورعايات أجنبية، اللاعب الأكبر في الجمهورية الثانية، ما جعله متمسّكاً بوحدتها، وبوحدويتها، وبكليّتها، كي يكون حاكماً قوياً للدولة الواحدة القوية كلها، تماماً كما كان الماروني في الجمهورية الأولى، أو كما استمر وهم بعض الموارنة ممن سمّاهم وليد جنبلاط بآخر الهنود الحمر

أما العامل الثاني في الفكر التوحيدي السنّي في لبنان، فهو هذا التقطع في الانتشار الجغرافي لهذه الجماعة، بين مجموعة مدن ساحلية غير مترابطة، وبعض جزر داخلية معزولة. هكذا، بين الأولوية السلطوية في النظام والدستور، وبين التشتّت والتوزّع في الأرض والجغرافيا، تجذر أكثر التوحيد السنّي اللبناني، حتى كاد يلامس التشكّك، حتى من أي لاحصرية إدارية، أو حتى من أي تمييز بين طابقين في مبنى للاتصالات، ولو كانا متصلين

ضمانة كبرى هذا الفكر التوحيدي في فترة الانهيارات المحيطة، والكلام على مشروع بلقنة إسرائيلية جديد للمنطقة. لكن يظل ينقصه من يدرك عمق هذا التوحيد، ويعبّر عنه لبنانياً، بغير عراضة الجنادرية، ولا مزايدة من يغطّي على سرقة مالية.