//Put this in the section

العالم العربي بين خيارين: الديمقراطية أو الفوضى – حسان القطب

يعيش العالم العربي اليوم من المحيط إلى الخليج حالة انتفاضة ثورية غير مسبوقة في تاريخه الحديث..وبالتحديد منذ معاهدة سايكس – بيكو، الشهيرة التي قسّمت العالم العربي، إلى دول وكيانات، نالت استقلالها في تواريخ ومناسبات متفاوتة ومتباينة ومتعددة…وانتهت مرحلة الاستعمار مع مطلع العقد السابع من القرن العشرين..باستثناء فلسطين..؟؟

عام 1948، سقطت فلسطين بيد اليهود، فكانت قضية فلسطين الجامع الأساس والقضية المركزية للأمة العربية، والعنوان الذي من اجله تعقد القمم العربية، والمبرر الرئيسي الذي من اجله يتم الاستيلاء على السلطة في هذا البلد أو ذاك، وكان ولا زال الهّم الفلسطيني الغطاء الذي يلتحفه ويرتديه كل نظام عربي لتغطية عجزه عن إدارة شؤون بلاده، كما لإخفاء شجعه ورغبته في التمسك بالسلطة والتحكّم برقاب العباد.. ولا زال هذا النهج مستمراً إلى يومنا هذا.. ليس على مستوى الأنظمة فقط بل حتى على مستوى الأحزاب والتجمعات والجمعيات والقوى والمنظمات المسلحة في فلسطين نفسها أو في دول أخرى كالدولة اللبنانية وإيران وليبيا وسوريا وغيرها..مرت 63، عاماً، على نكبة الشعب الفلسطيني، وسائر الشعوب العربية تحكمها الديكتاتوريات باسم القضية، وتحت شعار تحرير فلسطين وسائر الأراضي المحتلة، دون تحقيق أي تقدّم ملحوظ..وحتى دون الالتفات للعناية بهموم ومشاكل الشعب الفلسطيني المقيم في الأراضي المحتلة أو المشتت والمشرد في أنحاء العالم اجمع..

ولو نظرنا قليلاً إلى الخلف لوجدنا أن الانتفاضات والثورات الشعبية التي تقع في الدول العربية اليوم، قد طاولت دولاً مضى على وجود زعمائها في الحكم ما يقارب من نصف أو يزيد قليلاً على بداية الأزمة الفلسطينية..حسني مبارك هو الرئيس الثالث للجمهورية المصرية منذ إنشائها، حكم مصر منذ العام 1981، وفترة حكمه امتداد لثورة جمال عبد الناصر التي حكمت مصر منذ العام 1953.. وزين العابدين بن علي الذي أطاحته ثورة الشعب التونسي بعد أن حكم 27 عاماً، هو الرئيس الثاني للجمهورية التونسية بعد الحبيب بورقيبة بعد أن نالت استقلالها العام 1956، ومعمر القذافي الذي يحكم ليبيا، استلم السلطة بعد انقلاب قام به عام 1969، وبشار الأسد الذي يطاوله القلق اليوم من احتمال امتداد الثورة إلى الشارع السوري، يحكم سوريا بقبضة حديدية منذ العام 2000، وهو خلف والده حافظ الأسد الذي حكم سوريا عقب انقلاب دموي أطلق عليها أسم (الحركة التصحيحية) في عام 1970، تحت شعار تصحيح مسار حزب البعث، وتحرير هضبة الجولان والأراضي الفلسطينية المحتلة.. ولا زالت الحال في هضبة الجولان وفلسطين المحتلة على ما هي عليه…

لم يعرف الشعب العربي الموزع في أقطار عديدة ومتعددة، منذ أن نال استقلاله وإلى اليوم، تداولاً سلمياً للسلطة.. بل كانت السلطة تنتقل من يد إلى يد، ومن زعيم إلى أخر بواسطة الانقلابات العسكرية في بعض الجمهوريات.. وحتى في عدد من الإمارات التي يتم فيها توريث السلطة…. حيث قام أمير دولة قطر الشيخ / حمد بن خليفة آل ثاني بأخذ السلطة من والده عام 1995، وقال بأنه قام بالانقلاب هذا من أجل الشعب والبلاد وتحسين وضع البلاد الذي كان بدائي ومتواضع وشبه رجعي….وكان سبقه في هذا الأمرالسلطان قابوس بن سعيد، سلطان عمان، الذي وصل إلى السلطة في… 18-11-1970، حين أطاح قابوس بأبيه السلطان سعيد بن تيمور، وتولى حكم السلطنة ولا يزال إلى اليوم…وللأسباب عينها التي أطاح من أجلها أمير قطر والده…لذا نرى أن كل هذه الانتفاضات التي يعيشها العالم العربي اليوم هي نتيجة سياسات هؤلاء الحكام، وثورة الشعب العربي في كافة الأقطار تحمل العناوين عينها..محاربة الديكتاتوريات وسياسة التوريث للسلطة في الجمهوريات الوراثية..!! واستبدالها بأخرى ديمقراطية.. والعمل على تحقيق التنمية والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.. وتثبيت وتفعيل منطق الحريات العامة من حرية الإعلام، إلى حرية تشكيل الأحزاب والجمعيات، والحق في ممارسة النشاط الديمقراطي بالشكل الصحيح، حيث يتم تداول السلطة في انتخابات حرة وديمقراطية وشفافة…والتعديل الدستوري المصري الذي وافق عليه المجلس العسكري الحاكم مؤخراً، والذي سيعرض على الشعب للاستفتاء والموافقة عليه.. يتضمن نصًا مفاده: (فترة رئاسية مدتها أربع سنوات ولمدة دورتين فقط).. وهذا معناه الانتقال إلى مرحلة مختلفة تماماً..من حالة الرئيس الملهم والقائد الفذ..الذي يحكم مدى الحياة..إلى حالة الاختيار عبر صناديق الاقتراع للمرشح الأوفر حظاً لتولي المنصب ويكون عرضةً للمحاسبة والمساءلة على سياساته الداخلية والخارجية، الاقتصادية والاجتماعية، هو وحزبه عبر صناديق الاقتراع كل أربع سنوات…

يقول تقرير نشر مؤخراً..أن ما مجموعه 24000، طبيباً سورياً يعملون خارج الأراضي السورية ومنتشرين في أصقاع العالم..وهذا معناه أن سياسات هذه الأنظمة القمعية تؤدي إلى خسارة الكفاءات والأدمغة العربية التي تهاجر للخارج بحثاً عن الاستقرار النفسي والاجتماعي، وسعياً للعيش بحرية دون الرضوخ لقانون الطوارئ، الذي يبيح للسلطة السياسية ممارسة كل أشكال القمع والقهر بحق المواطنين في الدول العربية هذه كما في دولة إيران المجاورة، والتعرض للاتهام بضعف الانتماء القومي، وبالعمالة وخدمة المشاريع الإستكبارية والإمبريالية.. والعدو الصهيوني..والمشروع الأميركي في المنطقة..إلخ.. كما أن فساد هؤلاء الحكام المالي وعائلاتهم، لم يعد يخفى على احد بعد أن نشرت أرقام مخيفة عن حجم ثرواتهم وممتلكاتهم في الخارج، فيما شعوبهم تئن من وطأة العوز والفقر والتخلف والأمية والحاجة والبطالة، وتهاجر إلى كل بلاد العالم بحثاً عن عمل ولقمة عيش لائقة، وبعضهم يفقد حياته غرقاً في قوارب تالفة تبحر بهم في أعالي البحار رغبةً في بلوغ شاطئ الأمان..

رغم كل هذا نلحظ في لبنان أن البعض يتملك مواقفه التناقض، فيحتفل بسقوط القذافي ويتجاهل أخر..ويندد بالطائفية والمذهبية في لبنان فيما يمارس أبشع صورها.. ويؤيد شيعة البحرين.. يطالب بالحريات والمساواة في بعض الدول، ويتجاهل مأساة الأقليات في إيران.. ويرفض التوريث والتمسك بالسلطة ويطالب بتداولها فيما هو سليل عائلة تاريخية، كالسيد وليد جنبلاط.. الذي ما زال يتربع على عرش سلطته خلفاً لوالده منذ العام 1977، وكالسيد نبيه بري الذي يطالب بتداول السلطة في الدول العربية، وهو متمسك إلى الآن بقيادة حركة أمل منذ العام 1979، عقب اختفاء السيد موسى الصدر في ليبيا، ويطلب من الرئيس سعد الحريري القبول بمنطق تداول السلطة، وهو يتربع على عرش البرلمان اللبناني منذ العام 1992، وينطبق الأمر عينه على السيد نصرالله الذي يهاجم المتمسكين بالسلطة فيما قام حزبه بتعديل النظام الداخلي لحزب الله، ليستطيع البقاء إلى اليوم على رأس الهرم القيادي، مطلق الصلاحيات، منذ العام 1992، بعد استشهاد السيد عباس الموسوي..

لبنان ليس جزيرة منعزلة، ولا بد أن يتأثر بتداعيات ما يجري في المنطقة وأول الخاسرين ستكون تلك القوى التي تستخدم علاقاتها وارتباطاتها الإقليمية لإرهاب المواطنين اللبنانيين بالسلاح والممارسات الميليشيوية، والتي لا تزال تستخدم المفردات والمصطلحات التي رفضها ولفظها الشارع العربي في شوارع المدن الثائرة، حين تخرج الجماهير العربية للتظاهر ومواجهة الأدوات الأمنية بالصدور العارية وتبذل الدم رخيصاً لتحقيق التغيير الشامل والكامل، وتعلن رفضها لكل الشعارات البراقة والاتهامات الباطلة، ولعبة الاتجار بالقضية الفلسطينية وشعارات المقاومة والممانعة..
لم يعد منطقياً أن يبقى لبنان وشعبه تحت رحمة حزب واحد مرتبط بأنظمة ديكتاتورية وفاشية، يسعى لتقليد سياساتها القمعية في الداخل اللبناني بالطريقة عينها التي تمارسها هذه الدول بحق شعوبها..تماماً كما لم يعد مقبولاً أن يبقى العالم العربي أسير هذا الواقع إلى اليوم، والثورات التي نشهدها هي للخروج من هذا القمم، فالعالم العربي اليوم ومحيطه من الدول المجاورة أمام فرصة تاريخية لتحقيق التغيير الفعلي والحقيقي، وإنجاز الانتقال إلى الدولة الديمقراطية وتحقيق الاستقرار السياسي، وتثبيت العدالة، وتفعيل التنمية الاقتصادية والاجتماعية، ووقف الفساد ومحاكمة الفاسدين المتسلطين على رقاب البلاد والعباد لعقود طويلة (باسم الحرية والتحرير)..وإلا فإن الفوضى واستمرار الديكتاتوريات سيكون البديل..