//Put this in the section

الملامح الجديدة للزلزال السياسي:لا صوت يعلو فوق الديمقراطية! – صلاح سلام – اللواء

الزلزال السياسي الذي يضرب المنطقة العربية هذه الايام، متنقلاً من بلد الى آخر، ومفجراً ثورات الغضب في المدن والدساكر، لن يقف عند حدود استبدال حاكم بآخر، ولن يكتفي بإسقاط نظام وقيام آخر، لان الهدف الاساس الذي ثار الشباب من اجله هو تغيير العقلية التي سادت انظمة الحكم العربية على امتداد نصف قرن ونيف، اثر وقوع نكبة فلسطين·

لم يفقد العرب في نهايات الاربعينات من القرن الماضي، الوطن الفلسطيني وحسب، بل سرعان ما فقدوا تباعاً مواطن الحرية والديمقراطية التي كانت في طور النشوء والنمو، مع قيام دولة الاستقلال، وخروج جيوش الانتداب الفرنسي والبريطاني·




فقد اوقفت الانقلابات العسكرية التي اجتاحت اكثر من دولة عربية في تلك الحقبة، مسيرة الديمقراطية في العالم العربي بحجة اعطاء الاولولية المطلقة لاستردادات فلسطين، عبر بناء الجيوش والاجهزة الامنية، التي سرعان ما تحولت الى ادوات في ايدي الانقلابيين لقمع الشعوب ومصادرة الحريات، ووأد المبادئ الديمقراطية·

الشباب العربي الثائر من المحيط الى الخليج يريد استرداد حريته وكرامته، ويرفع الصوت عالياً لإسقاط الشعار المشؤوم <لا صوت يعلو فوق صوت المعركة>، لتصبح هتافات الملايين: <لا صوت يعلو فوق صوت الديمقراطية> هي الشعار الذي يرسم آفاق المرحلة المقبلة في الوطن العربي·

* * *

لقد استباح الانقلابيون اوطانهم، وحوّلوها الى مزارع لابنائهم وازلامهم وعائلاتهم، وساقوا شعوبهم مثل قطيع الماشية الى مجاهل التخلف والفقر والحرمان، بحجة الدفاع عن الوطن، والاستعداد للمعركة الفاصلة مع العدو الاسرائيلي·

ولم تغير عملية الانتقال الى عمليات التفاوض وتحقيق السلام العادل، من هذا الواقع المرير شيئاً، لان خطط التنمية ومشاريع النهوض الاقتصادي والاجتماعي بقيت حبراً على ورق، واستمرت اساليب الهيمنة والتسلط على مقدرات البلاد والعباد في مصادرة الديمقراطية، وقمع الحريات وكتم الأفواه، وأصبح شعار:

<لا صوت يعلو فوق صوت النظام> يتماهى مع شعارات التصدي للتطرف ونبذ العنف ومحاربة الارهاب!

·· فكان ان استمر العديد من الانظمة الانقلابية عقوداً من الزمن·· الى ان دقت ساعة الثورة والتغيير في العديد من عواصم المنطقة· * * *

قد يكون من المبكر الحديث عن مشهد المرحلة المقبلة في الوطن العربي، ولكن ثمة معطيات تساعد على رسم بعض ملامح حركة التغيير المقبلة على المنطقة انطلاقاً مما يجري في مصر وتونس وليبيا، وما يجري في العراق والبحرين واليمن وما قد يجري غداً وبعد غد في دول اخرى· ويمكن تلخيص ابرز تلك المعطيات بالنقاط التالية:

1- طوي صحفة انظمة <الحزب الحاكم> بكل ما كانت تعنيه من استئثار بالسلطة وتسلط في الحكم، وقمع للحريات، ومنع للتعددية والاحزاب، ومصادرة للممارسة الديمقراطية الحقيقية بشعارات لفظية باهتة·

2- الخروج من مرحلة <الرئيس الحاكم مدى الحياة>! والعودة الى اعتماد النصوص الدستورية التي تحدد سنوات الرئيس الحاكم، بولاية او اثنتين، بما يضمن تحقيق تداول للسلطة بشكل طبيعي، ووفق الاصول الدستورية·

3- فتح آفاق العمل السياسي والحزبي المنظم وفقد آلية قانونية واضحة، تتيح لأجيال الشباب الانخراط في عمليات التخطيط والنهوض بأوطانهم، والمشاركة الفعلية في صناعة القرارات الوطنية، بما يؤمن اكبر تمثيل ممكن للحكم الديمقراطي·

4- سقوط الهاجس المزمن من الحركات الاسلامية ذات الطابع الوطني· ولعل ما يجري في مصر وتونس بالذات يعبّر، والى حد كبير، عن الواقع الجديد الذي يمكن ان تنتقل اليه هذه الحركات في المراحل المقبلة، حيث من المتوقع أن يصبح الإسلاميون جزءاً من القرار الوطني، سواء شاركوا في السلطة، أم آثروا البقاء في مقاعد المعارضة الدستورية في المجالس النيابية المنتخبة·

وغني عن القول أن الكلام عن الحركات الإسلامية ذات الطابع الوطني يعني بالتحديد التنظيمات الإسلامية السياسية المتجذرة في مجتمعاتها، وتسير على منهج الشريعة السمحة بالنسبة لقبول الآخر والتحاور معه بالتي هي أحسن، والقادرة على إستيعاب تطورات العمل السياسية في زمن الإنفتاح والعولمة، والمتسلحة دائماً بفكر الوسطية والإعتدال·

ولعل مقاربة تنظيم <الاخوان المسلمين> في مصر لتجربة <حزب العدالة والتنمية> التركي في العمل السياسي، والنجاح في الجمع بين مبادئ العلمانية والإلتزام بالعقيدة الإسلامية ومنهجها الإجتماعي هذه المقاربة ستشكل نموذجاً للعديد من الحركات الإسلامية الوطنية في العالم العربي·

وليس خافياً أن إتاحة المجال أمام الإسلام الحواري المعتدل للمشاركة في الحركة السياسية وصناعة القرار الوطني، من شأنه أن يسد الأبواب أمام حركات التطرف التي تعتمد العنف وسيلة لتحقيق أهدافها، بعد تغليفها بشعارات إسلامية تضلل بها الشباب المتحمس لخدمة قضايا وطنه ودينه·

ولا بد من وقفة متأنية لاحقاً أمام هذه النقطة بالذات·

* * *

··· وماذا عن تشكيل الحكومة العتيدة في لبنان؟

المنطقة كلها تغلي للخروج من مرحلة الحاكم الواحد والحزب الواحد واللون الواحد في السلطة·· فهل يتحمل الوطن الصغير مغامرة بحجم الذهاب إلى الحج·· والناس راجعة···!؟·