١٤ آذار والاختبار الزاحف – نبيل بو منصف – النهار

أفضت آخر موجات الصراع الداخلي – الاقليمي على ملف المحكمة الخاصة بلبنان ومسارها في السنة 2010 الى تثبيت المثبت في ميزان القوى القائم منذ اتفاق الدوحة في الاطار المبدئي وتشكيل حكومة الرئيس سعد الحريري عملياً. وهو ما يترجم بترحيل الازمة الى سنة الاستحقاق المصيري فعلا اعتبارا من يوم غد بمعادلة عدم "إذعان" الرئيس الحريري لشروط الثلاثي سوريا وايران و"حزب الله" لتقويض المحكمة ومسارها من الداخل اللبناني وعلى يد "أولياء الدم" أنفسهم، وعدم استكانة المحور الثلاثي في المقابل عن المضي في مواجهة القرار الاتهامي والمحكمة ربما بوسائل مختلفة في طبيعتها التصعيدية.


في نهاية السنة الحالية يغيب عن المشهد المأزوم بعد داخلي صرف يتصل بواقع قوى 14 آذار، مع انه عامل أساسي لا بد من تسليط الضوء عليه حتى لو ساهم بعض مكونات هذا الفريق نفسه في تغييبه. وما يستدعي اثارة هذا البعد هو الخطأ الجسيم المرتكب والجاري في تصوير معركة المحكمة كأنها محصورة بين الرئيس الحريري و"حزب الله" داخليا مع الامتدادات الاقليمية والعربية والدولية لكل منهما. حتى أنه ليصح الاستخلاص، في سياق جردة موضوعية لمسار قوى 14 آذار وحركتها خلال سنة 2010، انها أسلست القياد لهذا الخطأ، سواء من جانب قواها مجتمعة او من جانب الرئيس الحريري او منهما سواء بسواء. فمع أن "حزب الله" كان واقعيا هو المبادر الاول والمحور الرئيسي والمفاوض الحصري في فريق 8 آذار، لكونه المعني المباشر بالمعركة والتفاوض والاستهداف، غير أنه سعى الى تصويب الصورة الآحادية لهيمنته المطلقة على حلفائه باشراكهم في بعض المفاصل عبر توزيع الادوار إن في مجلس الوزراء او في الساحتين الاعلامية والسياسية.





أما في مقلب 14 آذار، فان احتلال الرئيس الحريري الصفة المزدوجة لكونه رئيسا لحكومة الوحدة الوطنية ورئيس أكبر كتلة نيابية لفريق 14 آذار جعل هذا الفريق يستنكف عن حقبات كثيرة ليظهر الحريري وحده في المعترك، أفاد فريق 8 آذار من هذا الخلل ليركز صورة دعائية مفرطة في التضخيم مفادها انه يفاوض الحريري والسعودية فقط، وأراد بذلك اختزال وجود فريق 14 آذار "الآخر" بكامله وحتى تقزيم تمثيله السياسي والشعبي وامتداداته هو الآخر. بطبيعة الحال، تفضي السنة المنتهية الى واقع يخالف تماما هذه الصورة الدعائية بدليل اشتداد المأزق والازمة لأن الحريري لا يتكئ فقط على السعودية بل ينطلق أساسا من استناده الى حركة 14 آذار مهما قيل في تسويغ رفضه للاذعان لشروط ضرب المحكمة من الداخل. ومعنى ذلك في امتدادات هذه الحقيقة ان سنة 2011 ستكون الاستحقاق المفصلي لقوى 14 آذار في بعدها الداخلي مثلما هي الاستحقاق الحاسم المصيري لـ"حزب الله" نفسه ولو من منطلقين مختلفين.


ومع أنه معلوم سلفا ان القرار الاتهامي أيا جاءت مضامينه لن يبدل حرفا في واقع التركيبة الداخلية إلا في رسم مسار التبديل الكبير للمناخ السياسي وربما الامني والنفسي في لبنان، فان ذلك يرتب على قوى 14 آذار اختبارا حاسما في تقرير مصيرها هي الاخرى، لان مصير التوازن الداخلي سيكون مرهونا بقدرتها على خوض هذا الاختبار والا فانها ستكون أمام خطر شديد هو خطر التهميش.


يبدو واضحا أن "حزب الله" في اعداده للواقعة الكبرى، واقعة مواجهة القرار الاتهامي، سيعمد أكثر فأكثر الى اشراك جميع حلفائه وصوغ عمل جبهوي واسع يظلل معركته مع المحكمة ويضفي عليها طابعا سياسيا متعددا وعريضا. وبطبيعة الحال لا يفترض بقوى 14 آذار ان تطرح نفسها جبهة مناوئة لأن ذلك يشكل الخطر الحقيقي لتبرير أي مواجهة داخلية خصوصا في مسألة قضائية دولية لا يعود الى أي فريق وليس في قدرته التحكم بها. ومع ذلك فان ما سيتعين على فريق 14 آذار ان يخوض اختباره هو توفير سياسات فعالة، وأداء قويا لتأمين عامل التوازن الداخلي والتمسك بمعيار مبدئي هو العدالة الحقيقية، وهما عاملان يفترضان ظهور 14 آذار بمظهر مختلف عما كان عليه في سنة 2010، والا فان ميزان القوى الماثل على الارض الواقعية سيهدد هذا الفريق كما مجمل المصير العام بآثار انقلابية جسيمة ولو من دون انقلاب في هذا الاختبار الوطني الزاحف.