//Put this in the section //Vbout Automation

البلد الأسير للكذبة … – سليمان تقي الدين – السفير

خطة الاستنزاف المعنوي والسياسي لـ«حزب الله» بواسطة القرار الاتهامي للمحكمة الدولية مستمرة. كل ما شاع من معلومات له هذه الوظيفة من الإشغال والإرباك والمحاصرة. ثمة مَن يريد أن يرسّخ في الأذهان هذا الاتهام. حين يصدر القرار الاتهامي رسمياً تصعب قراءته بعيون قانونية ناقدة. معروف أن القرارات الاتهامية يمكن أن تدحض وتتلاشى في محاكمة علنية عادلة. لكن «الحزب» ليست لديه هذه الفرصة أبداً. لا يستطيع أن يذهب أمنياً إلى لاهاي، ولا يستطيع أن يتصرف سياسياً كأنه طرف عادي في لعبة جهنمية جرى إعداد أدواتها وقواها ومسرحها جيداً

برغم كل محاولات تعرية الدور الأميركي البريطاني الفرنسي الإسرائيلي في الأحداث اللبنانية، وخاصة الاتصالات، هناك مَن لا يريد أن يسمع أصلاً.




فُرض على الحزب وحلفائه في الداخل والخارج موقف دفاعي والسعي الحثيث الملحاح على التسوية السياسية. مجرد الاستجابة لفكرة التسوية أو ما يسمى «الصفقة» تبدو وكأنها تسييس مضاد، فلو حصلت التسوية فلن تمحو من الذاكرة ومن المناخ العام الاستثمار السياسي

الفرصة الوحيدة لتحديد الخسائر هي في الموقف اللبناني الرسمي الموحّد ضد مسار التحقيق، وقد صار واضحاً أن تقطيع الوقت لم يعد يخدم في هذا الاتجاه. لا يكتفي المتمسّكون بهذا الدور للمحكمة، هم يملكون حجة أنها خارج السيطرة. وغداً يقول هؤلاء لا نملك مواجهة «المجتمع الدولي» وقراراته التي يمكن أن تتبع القرار الاتهامي. إذاً هذه حرب مفتوحة تتخذ من ذريعة «اغتيال الأمير» سبباً لاندلاع سلسلة من الحروب الصغيرة والكبيرة. هكذا يقول لنا التاريخ كيف بدأت الحرب العالمية

حجة «الذريعة» دائماً جاهزة لإطلاق الحروب. الحرب الإسرائيلية على لبنان في العام 1982، حرب تموز 2006 وحرب العراق وكل حرب أخرى

 نحن في «قفص» هذا الغرب «الإمبريالي» الذي أسقط الكثيرون عنه هذه الصفة البشعة، بعد أن سقطت تهمة العنصرية عن إسرائيل في أكثر لحظات تاريخها عنصرية. هناك مَن لا يريد أن يصدّق ما نُشر من وثائق أو مذكرات. هذا شأن قديم ومعروف. ليس عند الناس حقيقة واحدة لكثير من الأسباب. عبثاً نسأل عن «الحقيقة». نحن نسأل عن الخطر المحدق جراء هذه المغامرة التي بدأت قبل خمس سنوات وتداعت فصولاً

البلد ليس منقسماً بين ملائكة وشياطين. خلف كل حدث تاريخي بحجم الانقلاب تعقيدات ومسؤوليات كثيرة. لكن المفارقة أن أحداً لا يسأل عن الضحية الكبرى، عن الثمن الذي دفعه البلد وسيدفعه جراء «المقامرة» هذه المرة على مفاعيل القرار الاتهامي. هناك زمرة من السياسيين وغير السياسيين الذين ينتظرون ببلاهة أن يتأبّط «حزب الله» شراً ويخرج سلاحه للدفاع عن نفسه

يريدون استدراج «حزب الله» إلى الساحة والوسائل التي لا تخيفه. هم إذاً ليسوا إلا طعماً صغيراً في لعبة تتجاوزهم. يجب أن يفهموا أنهم أدوات وليسوا لاعبين. وهذه الأدوات أو فِرَق الكشافة والاستطلاع والاستدراج تأخذ الناس من خلفها إلى المآسي والآلام. نذكّر هؤلاء الناس بأن الأزمة بدأت بمشروع الخروج على «الوصاية السورية» التي لم تكن فقط سورية، بل شراكة سعودية أميركية. أين أصحاب هذا المشروع وهم يستجدون الوصاية نفسها لمعالجة مشكلات البلد؟! هذه طبقة سياسية رصيدها الأزمات وإدارة الأزمات. لا قضية أخرى لديها تتسع لهموم الناس ومصلحة البلاد. هذه سلالة وكلاء القناصل والسفراء، وهذه حارسة النظام الطائفي الذي يعيد إنتاج شرعيتها

تصدت هذه الطبقة دائماً لمطالب الإصلاح بالحرب الأهلية. قاتلت دفاعاً عن التبعية ضد مشاريع التحرر الوطني. استخدمت ذريعة الناصرية لتبرير التحاقها بحلف بغداد. استخدمت الذريعة الفلسطينية لرفض التغيير السياسي والاجتماعي يوم كانت ضرورة وطنية شارفت اختراق كل الحواجز والهياكل الطائفية. استخدمت الوصاية بعد أن شاخت في أحضانها لتعطيل الإنجاز الوطني اللبناني في التحرير وثقافة المقاومة وثقافة التحرير. وتستخدم اليوم الدم المراق، وهو دم لبناني عزيز، مهما كان لأصحابه من نوايا وممارسات، لكي تحبط القوة اللبنانية والرصيد الذي من خلفه يمكن إنهاض الدولة والمجتمع

هذه الطبقة السياسية لم يكن الجنوب يوماً في همّها واهتماماتها، ولا طبعاً البقاع والشمال ولا الضواحي ولا أحزمة الفقر والبؤس على مشارف منتجعاتها ومرابع استغلالها وفجورها. صار الجنوب اليوم بقوته وكرامته مصدر قلق ومصدر إزعاج. هذه طبقة لم تشارك في مقاومة على حدود الوطن بل على حدود الطوائف قاتلت بخيرة الشباب وأهدرت أغلى الإمكانات. هذه طبقة لم تتعرّف يوماً إلى باب التبانة وجبل محسن وعكار والهرمل وغيرها الكثير إلا بوصفها زبائن للفتن لا جغرافية في وطن ولا مواطنين. هذه طبقة حاصرت وتحاصر رموز الإصلاح ورموز الوطنية والذين أعطوا لبنان معنى وقيمة وحضوراً ولم يأخذوا منه ما أخذت هي بتزوير إرادة الناس واستباحة حقوقهم

هذه مَن استورد النفايات السامة ودفنها على جذور الأرز. هذه مَن ردمت البحر حين ضاقت على شهوتها المدن وذاكرة المدن السياسية والثقافية. هذه الطبقة هي الدين الثقيل المنهوب المصدّرة لأكبر طاقات لبنان وشبابه. هذه طبقة تقتل بالسم والاغتيال والغدر والحرب وتجوّع بالاقتصاد ولها ما يجب أن ينتصب الميزان ويعلو صوت العدالة