من يأتي للحريري بالعرّاف الجيّد؟ – ابراهيم الأمين – الأخبار

يُروى أنّ ملكاً أفاق مذعوراً من حلم مزعج. شاهد فيه شعر لحيته يسقط وكذلك أسنانه. فطلب من مساعديه أن يأتوه بعرّاف متخصّص بتفسير الأحلام. فأتوه بأبرزهم في مملكته. الذي سمع رواية الملك وخفض رأسه ثم قال: الحلم فيه إشارة سيئة، وهي أنك سوف تخسر كل أفراد عائلتك وعشيرتك. غضب الملك من التفسير وأمر بحبس العراف. وأمر مساعديه بأن يأتوه بآخر أكثر علماً. فهرع المساعدون ليأتوه بآخر من قرية قريبة.

وعندما وصل روى له الملك ما شاهده في الحلم. فوقف العراف وخفض رأسه وقال: إنه منام سيّئ، آسف أن أقول لك إنك سوف تخسر كل عائلتك… وقبل أن يكمل كلامه، صرخ الملك وأمر بسجن العراف مع من سبقه. وصرخ بوجه مساعديه أن يبحثوا له خارج بلاده عن عراف غير هذين.




لم يمض وقت طويل حتى قالوا له إنّ هناك عرافاً شاطراً يعيش في مكان بعيد، وإن الإتيان به يحتاج إلى أيام. فقال لهم أريده في أسرع وقت.

فسافر مساعدو الملك إلى منطقة بعيدة ووصلوا إلى أحد العرّافين، وقالوا له إنّ الملك يحتاج إليك الآن. فسألهم عن السبب وأنتم لديكم من العرّافين ما يكفي. ثم فكر في أنّ حاجة الملك إليه هو الموجود في مكان بعيد، تعني أنه لم يحصل على جواب يشفيه أو يرضيه من العرّافين القريبين منه.

وعندما وصل إلى الملك وسمع روايته عن الحلم، عرف أن النتيجة هي ذاتها التي قالها من سبقه، إلّا أنّه صمت قليلاً ثم قال للملك: إنه منام جيد. وفيه أخبار جيدة لك شخصياً. فحقيقة الأمر أنّك سوف تعيش عمراً أطول من أعمار أفراد عائلتك.

سُرّ الملك وكافأه وأطلق سراحه، لكن حقيقة الأمر، أنّ العرّاف الجديد لم يقدّم إليه تفسيراً مختلفاً عمّا سبقه، إلّا أنه قال له النتيجة بطريقة مختلفة.

يبدو أن سعد الحريري يعيش كابوساً اسمه موجبات البقاء في الحكم، وموجبات حفظ الاستقرار في لبنان، وموجبات عدم السير في أمور مزيفة حتى لحظة الصدام. ويبدو أنه لأسباب إضافية بعضها معلوم، وبعضها الآخر سيكون معلوماً، يريد حلاً، يريد مخرجاً للأزمة القائمة تحت عنوان المحكمة الدولية، لكنه يسأل الآخرين المساعدة في المخرج. وهو متضايق من طريقة مخاطبته من الطرف الآخر، ويرى أن العبارة التي نشرتها «الأخبار» قبل مدة عما يطلبونه منه، تستفزّه بأكثر ممّا تساعده، وهو يريد عرافاً مثل ذاك الذي كان في مكان بعيد، ونجح في صياغة النتيجة نفسها بطريقة لا تحرجه ولا تسقطه في المحظور. فهل من يأتيه بهذا العراف؟
لكن، ماذا لو لم تتفق سوريا والسعودية على تسوية بشأن ملف المحكمة الدولية؟

وحده وليد جنبلاط يبدو متفائلاً جداً، هو يعتقد بقوة أنّ التسوية ستحصل، وأنْ لا مخرج بلا توافق سعودي ـــــ سوري. وجنبلاط لا يتحدث هذه المرة بما يفكر فيه أو يتمناه فقط، بل هو يدرك أن هناك خطوة سوف يقدم عليها طرف معني في لبنان لفتح الطريق واسعة أمام التسوية. مبدئياً، القلق من حصول انفجار سائد بين الجميع، لكن الحسابات المنطقية يجب أن تقود إلى نتائج من نوع مختلف، ذلك أنّ الأوراق كلها صارت على الطاولة، ما عدا بعض الأوراق المهمّة جداً، التي يخفيها رجل غزا الشيب لحيته بسبب أولاد الكلب هنا وهناك، وهي أوراق يبدو أن لا مصلحة لكثيرين في كشفها، حتى الذين رغبوا في لعبة الأوراق والملفات كالتي أظهرها النائب عقاب صقر في مؤتمره الصحافي الأخير، والتي تكفي للعودة إلى أرشيف الصحافة اللبنانية بين عامي 2005 و2010 للتثبت من عدم جدواها ومن وجود خلل هائل في تركيبتها الزمنية أو حتى على
السعودية بدل سوريا تلعب في ملف المحكمة سياسة «حافة الهاوية»

مستوى المعطيات (على سبيل المثال، ثمّة نسخ لا نسخة من محضر التحقيق الذي أجرته لجنة التحقيق الدولية مع محمد زهير الصديق خارج لبنان، وقد وقّعه الضابط وسام الحسن بصفة مترجماً).

مع ذلك، فإن المخرج المفترض من لبنان لتعطيل مسبّق لأي تفجير ممكن من خلال أعمال التحقيق الدولية والمحكمة الدولية. وبرنامج العمل مبسط وواضح المعالم: «إبطال الأطر القانونية التي قامت على أساسها مراسلة لبنان لمجلس الأمن بقصد إنشاء المحكمة الدولية، بما فيها بند التمويل، لأنها خالفت الإطار الدستوري ولم يصدّق عليها المجلس النيابي». كذلك «إبطال الاتفاقات بين لبنان والمحكمة الدولية، التي تتيح للمحكمة وكل فرق التحقيق العاملة فيها القيام بكل ما ترغب فيه في لبنان، باعتبار أن الحكومة التي قامت بهذا الأمر غير دستورية».

إلى جانب ذلك، ثمة كلام في القانون وفي السياسة بشأن آلية عمل فريق المدعي العام الدولي دانيال بلمار الآن، وعندما تحدث الرجل عن أدلة ظرفية، بدا أنه يقترب من لحظة الخطأ. وثمة معطيات تدعو إلى الحيرة، مثل أن يتوجه فريق من مكتب بلمار إلى وزارة الاتصالات قبل فترة، ليسأل موظفاً في أمانة الصندوق هل يتذكر ملامح رجل زاره قبل 12 سنة جاء يعيد النظر في الخدمات الممنوحة له على خط هاتفه الثابت؟…

إلا أن البازار مفتوح في مكان آخر، وتفتحه الآن السعودية مع سوريا، وهو بازار يشمل الكثير من الأمور بين لبنان والعراق وفلسطين ومناطق عربية أخرى. لكن اللافت أنه لطالما جرى الحديث عن احتراف سوري لسياسة «حافة الهاوية» فيما تبدو السعودية راغبة هذه المرة في أداء هذا الدور. والخوف، هو أن يسقط الجميع قبل التنبّه إلى أن الهاوية صارت مكاناً يقيم فيه اللاعبون