سيناريوهات اليوم التالي – حسن خليل – الأخبار

شهدت المنطقة تبدّلات في موازين القوى من أفغانستان إلى تركيا والعراق وبروز القوة الإيرانية وثبات سوريا، ما جعل الغرب بقيادة الولايات المتحدة غير قادر على تغيير الوقائع بدون اعتراف ولو مبطّناً بتلك التحوّلات. لكنّ الغرب، في الوقت نفسه، مضطرّ إلى طمأنة الأنظمة المتحالفة معه، التي تريد منه التنفيذ اللوجستي دون أن تقدّم تضحيات باستثناء توفير الأموال لأدواتها المتوزّعة.

في الطرف الآخر، ليس بمقدور قوى الممانعة أن تفرض تغييراً جذرياً دون نافذة تسوية يفتحها الغرب لها، تفرض من خلالها واقعها العمليّ مع طمأنة للغرب بعدم تهديد نفوذه، بل توفير مشاركته غير المعلنة، شرط ألا تكون على حساب تغليب المنطق الإسرائيلي المطلق.




في هذه الأجواء يعيش اللبنانيون الذين يتساءلون اليوم ما الذي سيحصل إذا ما صدر القرار الظني الذي قد يتّهم عناصر منضبطة أو غير منضبطة من حزب الله؟ ماذا سيكون ردّ فعل الأطراف اللبنانية بما فيها الطرف المعني الأول، حزب الله؟ هل سيكون القرار محدوداً في حيثياته أم سيفتح الأبواب أمام احتمالات أخرى، كتوسيع دائرة الاتهام المقبل ليعود إلى سوريا وقد يمتد إلى إيران؟ هل سيعي اللبنانيون ولو مرة واحدة أنهم في وسط «لعبة الكبار»، وأن التضحية بأي طرف سياسي منهم لا تساوي عند «مهندسي اللعبة» استدارته على كنبة للترييح؟

لعلّ إحدى إيجابيات المرحلة الحالية، رغم كل جوانبها السيئة، أن اللعبة باتت واضحة، وأن اللاعبين المتنافسين أصبحوا معروفين. لم يعد من مجال لتذاكي بعض المراكز الرئاسية، ولا للابتسامات البلاستيكية أو «العبسات الكاذبة» التي يضعها بعض الأقطاب السياسيين على وجوههم. معظم الأحزاب اللبنانية، وبجشعها لمغانم مرحلية، باتت أدوات خارجية رخيصة.

في هذه «اللعبة الكبرى»، معظم الأطراف السياسية هامشية أو لها سعر عند «اللاعب الكبير»، ما دام الهدف هو ضرب حزب الله، الذي استطاع تغيير معادلة التفوّق الإسرائيلي التي رسّخها هذا «اللاعب» في المنطقة ستين عاماً.

كل الأطراف محشورة محلياً ودولياً، لكن البعض يريد تسوية دون مساومة، والبعض الآخر لا يمانع في انفجار ما دام يقاتل برجال غيره، مراهناً على فصل حلفاء الممانعة بعضهم عن بعض بالإغراء أو بالتهديد.

من هنا تعود الأسئلة لتطرح نفسها: ماذا جرى في مؤتمر الدوحة الذي لم يصمد كثيراً؟ كيف انقلب المشهد السياسي من عزل سوريا وتهديد نظامها والمطالبة بالثأر منها، ومن أنه لا علاقة لحزب الله باغتيال الحريري (بشهادة عائلة الشهيد)، إلى زيارة سوريا ووضع هدف بناء «علاقة شخصية» مع الرئيس الأسد نفسه، وعودة سوريا إلى أن تكون الركيزة الأساسية لاستقرار المنطقة، بدءاً من إيران والعراق وتركيا وصولاً إلى لبنان وفلسطين، وتحويل بوصلة الاتهام مباشرةً نحو حزب الله علنيّاً أو مواربةً بالاغتيال؟ وهل كل عازفي فرقة السيمفونية السابقة روبوت آلي؟ أم هم يستديرون كلما استدارت السمكة الكبيرة في البحر؟

سيناريوهات محتملة

ما زالت الحالة الردعية القائمة بين قوى المقاومة وإسرائيل سائدة لتستبعد في القريب المنظور حرباً مفترضة. لذا يجري التركيز على الداخل اللبناني. ولعلّ أهم إيجابية تسجَّل في الواقع الديموغرافي والسوسيولوجي اللبناني، أن معظم أفراد الشعب اللبناني غير راغب إلى درجة الرعب في حرب أهلية ذاقها بمرارة قاسية ولا يريد إعادة تجربتها، بالرغم من الاصطفاف السياسي وتوظيفه في تأجيج مذهبية غبية تربتها خصبة.

لكن التحدي الأكبر يبقى للحزب المستهدف، حزب الله، لأنه يجد نفسه للمرة الثانية بعد 5 أيار 2008، في دائرة التهديد، بعدما جرت محاولة نزع الشرعية عنه سابقاً. من هنا يمكن قياس تقويمه للأمور والتطورات، واستعداده لكل الاحتمالات، معتبراً أن ما حاوله البعض في 5 أيار كان رمزياً نسبة إلى ما يجري من تآمر عليه اليوم.

1 ـــــ السيناريو الأكثر سوءاً: هناك مَن بات يهدّد علناً بأن المساس بالمعادلة الهشّة القائمة سيفرض بديلاً لها في بيروت والبقاع الغربي وطرابلس وعكار، هو الأصولية الجهادية، وأن «عرقنة» لبنان احتمال جدي إذا ما «تطاول طرف» ما لأنه يملك السلاح، حيث إنه لا أحد سيذعن له ويخاف من سلاحه. والمقصود هنا حزب الله. المفارقة التي يجهلها هذا الطرف أن المجتمع اللبناني صغير، وقد خبِرَ الحرب، وأكثر القوى ومَن وراءها مكشوف للجميع، وأن السلفية الموجودة في لبنان منذ نشأة الخط السلفي في المنطقة، تختلف عن مثيلاتها في العالم العربي التي تعادي جهاراً «الاعتدال» المذهبي عند الجميع، بينما هناك مَن يهيّئ لـ«سلفية لبنانية» تكون غبّ الطلب تُستنفر عند الحاجة. في هذه الحال، وبما أن هناك مَن يهيّئ ويهدّد بـ«عرقنة» لبنان، فإنّ الطرف المستهدف لن ينتظر للقيام بردّ فعل على تفجير هنا أو هناك، بل قد يتجه مباشرةً إلى مواجهة مَن يخطّطون ويموّلون عمليات كهذه لا مَن ينفّذونها فقط، وهو على الأرجح يرصدهم منذ زمن طويل، لعلّ هذا السيناريو يكون الأقلّ احتمالاً.

2 ـــــ السيناريو الأقل سوءاً: حتى الآن ليس في الأفق تراجع عن المحكمة الدولية إلّا مراوحة لشراء الوقت حتى صدور القرار الظني المتوقع في أي لحظة قبل آخر السنة. في هذا السيناريو، إذا ما صدر القرار الظني وشرعت بعده أطراف سياسية محلية وإقليمية ودولية في إكمال هجومها الذي بدأته من خلال «الشرعية الدولية» وتحويل حزب الله إلى طرف إرهابي مع مَن يغطيه من حلفاء ودول، فقد يصل لبنان إلى فوضى سياسية شاملة وعودة تجربة اللاشرعية لحكومة فؤاد السنيورة إلى حد العصيان المدني وعدم الاعتراف بالفريق الحاكم. وتصبح البلاد إدارات متعددة تسيّر أمورها بالحد الأدنى. هذا الواقع المفترض ستصاحبه قلاقل أمنية في مناطق التوتر المفترضة، ولكن بأنماط مضبوطة لا تؤدي إلى انفلات أمني، ويصبح المخرَج «دوحة» أخرى لفترة قصيرة أو ستُعاد الحاجة إلى طائف جديد.

3 ـــ السيناريو الأكثر احتمالاً: يُتوصّل إلى تسوية خارجية بين سوريا والسعودية بموافقة مصرية ـــــ فرنسية ـــــ أميركية. في هذا السيناريو، يُتراجع عن الموقف المتصلّب بشأن المحكمة، فيقود الحريري ببقائه أو باستقالته ويؤتى برئيس ينفّذ بنود تسوية كهذه ليعود بعدها ليحكم من خلف الستارة بمعاونة السنيورة. في الوقت نفسه، يصدر القرار الظني وتستمر مفاعيله دولياً بحجة أن المحكمة الخاصة أنشئت بقرار من مجلس الأمن تحت الفصل السابع ولا يستطيع أي طرف، بمَن فيهم سعد الحريري والسلطة اللبنانية، الوقوف في وجهها. بعدها توظَّف كل «أدوات الشرعية الدولية» للاقتصاص من حزب الله، وتحويله جهة إرهابية مطلوبة من العدالة الدولية.

هذا السيناريو الأكثر احتمالاً لمنع فتنة داخلية هو الأسوأ للواقع اللبناني لسببين، أولهما أن الإقرار من الفريق الداخلي بتسييس المحكمة (بالتوافق مع العرّاب الخارجي أو بالتقاء المصالح) لن يلغي مفاعيله الدولية المطلوبة، ولو أنه ظاهرياً يلغي مفاعيل القرار الظني داخلياً، وتستمر مواجهة حزب الله مع الأهداف نفسها. هذا يؤدي إلى ثاني السببين، بأن يستثمر الفريق الحاكم الذي قام بانقلاب 2005 مستغلّاً دم الرئيس الحريري ويركّز مفاعيل هذا الانقلاب. هذا ما كان النائب نهاد المشنوق، الذي قُمع صوته، يرمي إليه من خلال توصيته باستقالة سعد الحريري، لأنه في هذه الحالة لن يستطيع حزب الله مواجهة ضغوط بعض حلفائه قبل أخصامه لقبول التسوية، ولو على حساب عدم الاعتراض على النظام الأمني القضائي القائم والتغاضي عن عدم تقديم حساب لقطع الـ11 مليار دولار. وبذلك يستمر القائمون في مواقع السلطة ويستمر معهم الاهتراء السياسي في كل إدارات الدولة حتى الانهيار، وتكون بذلك القوى المعارضة قد أسهمت من حيث تدري أو لا تدري (وكلتا الحالتين كارثية) في تفويت فرصة أخرى لإبطال سوء تطبيق الطائف الذي رسّخ معادلة 1993 حتى اليوم، وأدى إلى تهديم المجتمع اللبناني ودولته.

4 ـــــ السيناريو الأمثل: وقد يكون طوباوياً لصعوبة تطبيقه. يقضي هذا السيناريو بأن يستفيق اللبنانيون مجتمعين على أنهم أدوات لقوى كبرى تستعملهم وتستبيح ساحتهم لصراعات أكبر منهم وممّا يتحمّل بلدهم، وبالتالي يجمعون على رفض المحكمة الدولية، والجلوس معاً بالاختيار للبحث في النظام اللبناني بتفاصيله انطلاقاً من أن عدم تطبيق الطائف وما تبعه جرّ إلى فترات كارثية لم ينعم لبنان خلالها باستقرار.

في هذه الفرضية، على الأطراف السياسية الاتفاق على أحد أمرين لولادة جمهورية جديدة:

1 ـــــ إمّا العودة إلى دراسة الطائف وتصحيح ثغره، وخاصةً أنه لم يهدف إلى استبدال صلاحيات الرئاسة المارونية بـ«الأحادية السنية» ولا إلى الترويكا مع «الشيعية السياسية»، وبالتالي وضع قانون فوري بشأن آلية عمل مجلس الوزراء ليكوّن مجتمعاً، كما أراد الطائف، السلطة التنفيذية، وعودة الدور التشريعي والرقابي إلى المجلس النيابي بعدما أصبح مرآة للتقاسم السياسي يغطي تجاوزات الحكومات السابقة، وإعادة الاعتبار الفعلي إلى رئاسة الجمهورية وصلاحياتها.

2 ـــــ أما إذا ارتأت القيادات السياسية أن الظروف باتت مؤاتية في ضوء هذا الاهتراء السائد لاستبدال الطائف باتفاق لبناني جديد يُعقد في بيروت لا في إحدى العواصم العربية، فقد يُتّفق على انتخاب الرئاسة الأولى مباشرةً من الشعب، ويرأسها مسيحي لكونه الضمانة الأكثر وثوقاً في ظل الواقع الإقليمي المذهبي والحالة المسيحية في المنطقة، فيكون بذلك الحَكَم الحاكم بين السنّة والشيعة، ويعطي الطمأنينة للمسيحيين. وآخر العنقود تشريع قانون انتخاب يلغي نهائياً المحادل والنواب الأشباح لينتج تمثيلاً نسبياً فعلياً يحرّر إرادة الناس.

طبعاً هذا السيناريو هو الأقل حظّاً، لأنه يفترض أن مَن هم في السلطة سيحكمون على أنفسهم بالانتحار. وهنا تكمن مأساة لبنان. ذلك أنّه في غياب هذه الفرضية، سيبقى التاريخ هو مقياس المستقبل الذي برهن مرة تلو الأخرى أن التغيير مستحيل بالتشريع في مرحلة سلمية، من خلال مبادرة القائمين على السلطة، وأن لا إمكان لتغيير جذري في موازين القوى في لبنان إلّا بإسالة الدماء.

ويبقى الأمل ألا تسيل دماء، هذه المرّة، قبل أن يستفيق هذا الشعب من غيبوبته.