ربي كما خلقتني – طلال سلمان – السفير

من يجرؤ على التصدي لمهمة في مثل صعوبة التعريف بالمعرفة، والحديث عن الولد العاملي الذي يعلم الناس الكلام، والسيد الذي تعتبر الرسالة بعض إرثه العائلي والفقه بعض مخزونه الذي لا ينضب، خصوصاً وقد شفع بالعصر… حتى لا يكون الإنسان في خسر.

أسود العمامة أبيض القلب أخضر الفكر، يطل من جبته الطفل المخبوء إذا ما ضحك، في حين يجلل النجف الأشرف الحديث إذا ما اندرج في مسرى الحوار الذي يكاد يكون متعة السيد الأولى والأخيرة.

من يعرف ظاهرة مثل هاني فحص؟

انه منذ ألف عام أو يزيد هنا، والى ألف عام مقبل أو يزيد سيكون هنا… هذا الذي يسافر الى الاضطهاد بقدميه، ويخرج من دار الحكم الذي أفتى له، مخلوعاً متهماً في دينه، وحين يغلق على نفسه باب إيمانه يطارده المستكبرون في دنياه حتى نفيه منها.

من يجرؤ على التصدي لمهمة التعريف بهذا الولد العاملي الذي لا تشيخ براءته، حرصاً منه على أمانته مع وصفه لنفسه: «لم أكن كسولاً ولا غبياً، وكنت مطيعاً، مما حرمني من لذة الانتصار على خصومي من الأطفال».

منذ ولد وحتى اليوم محروم من لذة الانتصار على خصومه الكثر، لا سيما بين المعممين، أو بين الذين صادروا الدين بحجة حمايته من المنافقين أو من المتطرفين، فركبوه ليحتكروا الدنيا، تاركين المثل «السيد» مطروداً من الموقع الديني الذي يستحق بذريعة أنه ابن دنيا، ومن مطارح دنيا السلطة الواسعة بذريعة أنه من المتطهرين الذين نذروا أنفسهم للتعبد.

لا تصدقوه. لقد كان وما زال الطفل الوحيد، بيننا نحن الذين خسرنا طفولتنا ولم نربح ما كنا نريد في شبابنا، وها نحن نكاد نخسر كهولتنا، لأنه ظل بريئاً حتى الطهارة فربح نفسه وربحناه، مسلم حنيف بمسلك مسيحي: انظروا الى خده الأيسر بل الى الخدين.

عربي بسمرة الأرض في جبشيت، عاملي كما الشهيد الأول، كربلائي في عراقيته، نجفي في تعاطفه مع ثورة الخميني بما جعله يخسر في لبنان من دون أن يربح في إيران… فلسطيني في الثورة، لبناني في مقاومة الظلم حتى الذهاب الى السجن بقدميه.

محاور عنيد، ولذا غالباً ما تنفض المنتديات ويبقى وحيداً لأنه قادر على أن يهزم المعاندين وحده. أيها العالم الذي قلبه على شفتيه، والذي قرأ كثيراً وكتب قليلاً وصمت طويلاً يوم كان الكلام هذراً، فلما جاء زمن الكلام كتب بألف قلم. أيها السيد الذي يرفض أن يغادر طفولته فيظل بريئاً كالفكرة البكر المبشرة بغد أفضل للإنسان، تحية لجبشيت التي أنجبت هذا الكوكب الدري، هاني فحص، الذي فهم الدين في الإنسان، وفهم الدنيا في السماء، وها هو أمامكم: ربي كما خلقتني!