استمرار التهدئة مرتبط بمصير عدد من الاستحقاقات نتائج الصراع بين المحورين الأميركي والإيراني ترسم وجه المنطقة – اميل خوري – النهار

إلى متى تستمر التهدئة التي يعيش لبنان في ظلها بفضل معادلة الـ"س – س" وغيرها من المعادلات الخفية، وما الذي يحصل اذا اهتزت هذه المعادلة وما الذي يمكن أن يهزها؟

تقول أوساط سياسية إن جعل لبنان ساحة مفتوحة على صراعات المحاور وتصفية الحسابات المحلية والعربية والاقليمية والدولية على ارضه وانقسام اللبنانيين فريقين وأكثر حيال هذه الصراعات، بحجة أن موقعه الجغرافي يحتم ذلك وكأن دولاً عربية أخرى مثل سوريا والاردن ليست في مثل موقعه لتكون ساحة مشابهة له سوى انها تختلف عنه بوجود دولة قوية قادرة على مواجهة شتى التحديات والتحولات والمتغيرات وهو ما يفتقده لبنان منذ سنوات طويلة.

لقد بات مصير التهدئة في لبنان يحكم وضعه الشاذ هذا مرتبطاً بمصير الاستحقاقات التي تعني كثيراً من الدول العربية والاقليمية والاجنبية. ومن هذه الاستحقاقات الآتي:

أولا: المفاوضات الاسرائيلية – الفلسطينية التي تفتح الباب لمفاوضات شاملة تحقق السلام في المنطقة اذا ما نجحت، أو تقفل هذا الباب اذا ظلت تدور في حلقة مفرغة ليصبح مشرعاً على كل الاحتمالات بما فيها عودة اعمال العنف المتبادلة بين العرب والفلسطينيين من جهة واسرائيل من جهة أخرى، وساحة هذه الاعمال لبنان وفلسطين المحتلة تحديداً.

ثانيا: نتائج الانتخابات الاميركية وهل تأتي لمصلحة الرئيس أوباما وحزبه، أم لمصلحة سواه فيصبح عندئذ عاجزاً عن ممارسة سياسة الضغط الكافي للوفاء بما وعد به وهو اقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة الى جانب الدولة العبرية، ووضع هذا الحل على الطاولة وتحت طائلة اتخاذ موقف من الجهة التي ترفضه سواء خارج مجلس الامن أو داخله.

ثالثا: تشكيل الحكومة العراقية، وهل تكون حكومة وحدة وطنية تتمثل فيها كل القوى السياسية الاساسية أم تكون حكومة الاكثرية وذات اللون الواحد، فيبقى الوضع الامني والسياسي والاقتصادي في العراق مضطرباً وغير مستقر وساحة مفتوحة للصراعات والتجاذبات.

رابعا: مراقبة الوضع المربك في السودان وفي اليمن مخافة أن يكون استمراره بداية تفكيك دول المنطقة واقامة دويلات مذهبية وعرقية فيها، يصب قيامها في خدمة اسرائيل التي تستطيع عندئذ ان تعطي لنفسها مبرر قيام "الدولة اليهودية".

خامسا: متابعة نتائج الصراع بين المحور الايراني ومن معه والمحور الاميركي ومن معه في المنطقة ومن منهما سيقيم الشرق الاوسط الجديد بمواصفاته، اذ على نتائج هذا الصراع يتوقف الكثير من المصائر والتوصل الى حلول لكثير من المشكلات لا بل للتحالفات القائمة ولمصير بعض الانظمة وحتى لمسار السلام. فانتصار المحور الايراني ومن معه يغير وجه المنطقة ويأخذها في اتجاه، وفشله يأخذها في اتجاه آخر. وعندما يبلغ الصراع بين المحورين حدّه، يتعين على الدول المعنية أن تتحدد خياراتها ولا تبقى على الحياد أو في المنطقة الرمادية، او منفتحة على الجميع، بحيث لا تكون مع هذا ولا مع ذاك.

ونتائج الصراع بين المحورين الايراني والاميركي هي التي تحدد مصير كثير من المشكلات في المنطقة وتحسم الخلافات حولها سواء في العراق أو في اليمن أو في افغانستان وفي مفاوضات السلام مع اسرائيل وفي لبنان حيث الخلاف يدور في الظاهر حول المحكمة ذات الطابع الدولي وفي جوهره حول السلطة وما المحكمة سوى جسر عبور اليها. فمن من الطرفين المتصارعين 8 و14 آذار يربح معركة المحكمة كي يربح السلطة، ومن من المحورين الايراني والاميركي سيخرج من ساحة الصراع منتصراً؟!

قبل سنوات، توقع المرشد الاعلى للجمهورية الاسلامية في ايران آية الله علي خامنئي أن تكون هزيمة اميركا في لبنان، محذراً من ان هناك "مؤامرات سياسية" لتقليل انتصار "حزب الله" على اسرائيل خلال الحرب التي شنت على لبنان بين 12 تموز و14 آب 2006، واعلن "وجود احتمال كبير في التخطيط لهذه المؤامرات من قبل أميركا والكيان الصهيوني"، واكد استعداد الشعب والمقاومة الاسلامية في لبنان لمواجهة جميع الاحتمالات، واعتبر ان "الارضية لهذا الانتصار توافرت من خلال الاتحاد والتعاطف بين "حزب الله" وحركة "أمل" وينبغي ان يتوصل ذلك وتتعزز هذه الوحدة والتلاحم أكثر مما مضى"، مؤكداً ان "لبنان سيكون بمثابة مكان لهزيمة أميركا والكيان الصهيوني، وان التطورات السياسية في المنطقة والعالم تؤكد بداية مرحلة جديدة" وهو يقصد بذلك أنها بداية تفتت الامبراطورية الاميركية، وان ايران ستكون القوة الرئيسية في المرحلة الجديدة، وما زيارة الرئيس الايراني محمود احمدي نجاد للبنان سوى اعلان هذه البداية…

والسؤال المطروح هو: من من المحورين سيكون له الانتصار ويتغير معه وجه المنطقة؟ لقد استطاعت ايران ان تصمد في وجه كل انواع العقوات التي فرضت عليها وان تظل على موقفها الثابت من برنامجها النووي، وان ترد على التصريحات الاميركية بالمثل لا بل بأشد منها. وتقول وزيرة الخارجية الاميركية هيلاري كلينتون "ان ايران تقترب من ديكتاتورية عسكرية دينية وان اميركا ستظل تواصل قيادة العالم". ويرد الرئيس نجاد موجهاً كلامه الى الرئيس اوباما: "انتبه من السير على خطى بوش، فردّنا سيكون عنيفاً، وقول نائب الرئيس الاميركي جو بايدن: "لا أساس للثقة بإيران وماضون في مسار العقوبات". ورد نائب الرئيس الايراني: "سنقطع أرجل من يفكر في الاعتداء على سوريا ولبنان". وتكثر التصريحات المتبادلة العنيفة حيناً والهادئة حيناً آخر كقول الوزيرة كلينتون: "نستخدم العصا والجزرة مع ايران ونحاورها مباشرة". ولم تبق فرنسا بعيدة، عن ذلك اذ اعلن الرئيس ساركوزي ان "ايران تغذي العنف والتطرف في المنطقة وهي القلب في قوس الازمات"، مؤيداً قول الوزيرة كلينتون "ان ايران راعية ايديولوجية الرفض والعنف في الشرق الاوسط".

الى أين ستنتهي الحرب الكلامية حتى الآن معها مرحلة العقوبات؟ هل ستنتهي بتسوية ام بصفقة أم بحرب؟

هذا هو السؤال الذي لا جواب عنه حتى الآن مع شعور البعض بان الخطر قادم من ايران وان الطموح الايراني يسير نحو الاصطدام بالخطوط الحمر، وان ايران تحاول تغيير المعادلة في لبنان والمنطقة، ومفتاح الحرب او التسوية هو في العلاقات الاميركية – الايرانية اذ لا استقرار في لبنان قبل حل المشكلات مع ايران، وان لا شيء يكبح هجمة ايران سوى تحقيق سلام شامل في المنطقة، وطريق السلام يمر عبر ايران… وان عدم استقرار ايران قد ينسحب على المنطقة والعالم، وايران تكرر التأكيد أن "فلسطين ستحرر وان الصهاينة الى زوال"، فيما يعتبر رئيس وزراء اسرائيل بنيامين نتنياهو "ان لبنان تحول تابعاً لايران"… ويرى الرئيس أوباما ان "العمل العسكري ضد ايران ليس الطريقة المثالية… لكنه على الطاولة". ومن أهم ما قيل في هذا الوضع هو الوزير الخارجية السعودي الامير سعود الفيصل: "ان غياب الدور العربي خلق فراغاً الاستراتيجياً تستغله دول مجاورة".