في البحث عن المخارج… لا إثارة الغرائز!! – صلاح سلام – اللواء

من كلام الرئيس بشار الأسد الأخير حول لبنان، إلى رسالة خادم الحرمين الشريفين التي نقلها السفير علي عواض عسيري إلى قيادات طرابلس والشمال، إلى خطاب الرئيس سعد الحريري في الجامعة الأميركية، ثمة محور واحد لا بدّ من الإنتباه له والإمساك به، والحفاظ على عناوينه وثوابته في هذه المرحلة الحرجة: لا انفجار ولا فتنة مذهبية، وتجديد الالتزام بالأمن والاستقرار، وصولاً إلى معالجة الملفات الخلافية بلغة الحوار·

لا داعي للتأكيد أن نبض القلق اللبناني المتزايد تصل أصداؤه إلى الرياض ودمشق، رغم كل الصخب السياسي المُفتعل هنا وهنالك، الأمر الذي يدفع مراجع الرعاية العربية إلى تفعيل مشاوراتها، وتكثيف تحركها، للحؤول دون إفلات الوضع اللبناني من أجواء التهدئة العربية·




قد يكون لإرتفاع منسوب القلق عند اللبنانيين هذه الأيام ما يبرره خاصة بعدما أخذ الخلاف حول سير عمل المحكمة الدولية ومتفرعاتها هذا الحد المشتعل من الانقسامات العامودية التي تُهدّد بنية التركيبة اللبنانية·

وقد يكون لإشتداد حدة الصراعات الإقليمية – الدولية على ارضنا، وحولنا دور مؤثر في تفاقم مشاعر القلق والخوف من الغد عند الأكثرية الساحقة من اللبنانيين، لا سيما بعد الدخول الأميركي الفج على خط المعالجة العربية للوضع اللبناني، ولكن لا بدّ من الركون لمظلة التفاهم العربي، وخاصة السعودي – السوري، والتي تجلّت بأوضح صورها في الزيارة المشتركة لخادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز والرئيس بشار الأسد إلى بيروت، والتي تمّ خلالها نزع فتيل الانفجار الداخلي، وتركيب صمّامات أمان للخلافات اللبنانية أبقت تداعياتها المختلفة تحت سقف السجالات السياسية، وداخل المؤسسات الدستورية والحؤول دون عودة الخلافات إلى الشارع من جديد·

ويمكن القول إن مظلة الأمان العربية للوضع اللبناني ما زالت قائمة، وإن تفاهم س – س يمنع الخلافات اللبنانية من الانزلاق الى هاوية التفجير، أو حتى الوصول إلى نقطة اللاعودة بين الأطراف اللبنانيين الأساسيين·

* * *

تحت سقف المظلة العربية للاستقرار في لبنان، يبقى الكلام السياسي مباحاً، والخلافات المعهودة جزءاً من المشهد الديمقراطي الفولكلوري في البلد، حتى وإن كان عنوان الخلافات الحالية المحكمة الدولية·

وبإنتظار ما ستسفر عنه المشاورات الناشطة حالياً، على أكثر من صعيد محلي وعربي واقليمي للوصول إلى صيغة – تسوية تشكّل مخرجاً مناسباً للمأزق الحالي، سيبقى الوقت الضائع أسير السجالات الاستهلاكية التي لا تسمن ولا تغني من جوع، لأنها لن تؤثر على مجريات المشاورات الجارية بين عواصم القرار العربي والإقليمي بحثاً عن <صيغة خلاقة> للوضع اللبناني المتأزم·

وفي هذا الإطار، تأتي مبادرة العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز بدعوة القيادات العراقية إلى مؤتمر وطني في الرياض، وتحت اشراف جامعة الدول العربية <لتدارسوا، وتتشاوروا، لتقرروا أي طريق نبيل تسلكون، وأي وجهة كريمة تتجهون>، ومؤكداً الالتزام بمد <يد العون والتأييد والمؤازرة لكل ما يتوصل اليه المجتمعون من اتفاقات لإعادة الأمن والسلام إلى بلاد الرافدين>·

وجاءت مبادرة خادم الحرمين الشريفين في وقت كان سفيره في لبنان يجول على قيادات طرابلس والشمال ناقلاً لهم رسالة مليكه: <عليكم أن تتمسكوا بإيمانكم وبوطنكم وأمتكم وبتراثكم في العيش المشترك، وأن تستلهموا حكمة الآباء الداعية إلى الإلفة والمحبة، لتظلوا كما كانوا أخوة···>، ومردداً في زياراته إلى أن السعودية تسعى إلى لمّ الشمل في لبنان، ومحذراً من توريث الحقد والكراهية للأجيال الصاعدة·

وإذا اضفنا إلى مبادرة الملك عبد الله نحو العراق، ورسالته إلى أهلنا في الشمال، مع المواقف الأخيرة التي أعلنها الرئيس الأسد، وما يتردد عن <أفكار> يجري تداولها حالياً للوصول إلى <صيغة حل مقبول>، يتبين لنا عندها ان الوضع اللبناني ليس متروكاً لرياح الفتنة تتلاعب بأمنه واستقراره، بل يمكن القول إن المخرج بات يطرق أبواب أكثر من عاصمة عربية!·

* * *

<شهود الزور>، وحادثة العيادة النسائية في الضاحية، وإعلان <حزب الله> مقاطعته للمحكمة، كلها تفاصيل، بل متاهات، لقضية مركزية واحدة: غياب التوافق العربي – العربي، وتضعضع الوفاق اللبناني – اللبناني من ملف المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، الأمر الذي استوجب إعادة الأمور إلى أصولها، والبحث عن حلول جذرية، قد تؤدي إلى عقد تسوية شاملة للملفات الإقليمية الساخنة، وطي محاولات المعالجة بالمفرّق··· بعدما أثبتت عدم جدواها·

* * *

غير أن الحديث عن تسوية وحلول جذرية للأزمة اللبنانية وملفات المنطقة الأخرى، لا يقلل من خطورة كلام السيّد حسن نصر الله الأخير، الذي دعا فيه المسؤولين إلى وقف التعامل مع المحكمة، معتبراً ان كل تعاون مع المحكمة هو بمثابة اعتداء على المقاومة·

وإذا كان من حق الأمين العام لحزب الله كفريق سياسي في البلد أن يتخذ موقفاً رافضاً للمحكمة، فلا ندري كيف سمح لنفسه أن يتخذ عن اللبنانيين، بل عن الدولة بكاملها، مثل هذا التوجه المحرج عندما اعتبر التعاون مع المحكمة اعتداء على المقاومة·

لا نريد أن نصبّ الزيت على نار السجالات الدائرة حالياً حول هذه الخطوة بالذات من جانب <حزب الله>، فالمسألة الأساس في هذه الساعات هي في البحث عن المخارج والحلول، لا في إثارة الغرائز وتعقيد الأمور!·