أيّهما يسبق الآخر: القرار الظنّي أم حـزب اللّّه؟ – نقولا ناصيف – الاخبار

إلى أن يُستنفد الوقت، يختبئ رئيس الحكومة وحزب الله وراء التهدئة في انتظار أوان المواجهة الحتمية: أيهما يسبق الآخر، القرار الظني الذي يتّهم حزب الله باغتيال الرئيس رفيق الحريري، أم مباغتة الحزب خصمه بما يعطّل مفاعيل القرار؟

لا تعكس التهدئة السائدة بين طرفي النزاع في حكومة الوحدة الوطنية، سوى حدّة المأزق التي تجعل كلّاً منهما في حاجة إلى بعض الوقت قبل سلوك خيار المواجهة. لا أحد منهما يخفي أوراقاً تحت الطاولة، بل يتصرّف على أن الفريق الآخر يدرك موقفه تماماً، ومتيقن من أنه لن يساوم عليه. هكذا أوصدا أبواب التفاهم والبحث عن تسوية من خلال الحوار.

تعبّر عن هذا المنحى الملاحظات الآتية:

1 – اقتصار القمّة السعودية – السورية في الرياض، الأحد الماضي، على إبقاء التهدئة في لبنان في ظلّ خلاف شبه كامل على الملف العراقي، من دون إحراز أي تقدّم جدّي في الملف اللبناني، وأخصّه ما يتصل بمسار المحكمة الدولية في اغتيال الرئيس رفيق الحريري. جلّ ما أبرزه الملك السعودي الملك عبدالله للرئيس السوري بشّار الأسد، إقران استمرار التهدئة بمهلة أسبوعين فسحاً في المجال أمام جولة جديدة من الجهود والاتصالات الدولية.

2 – عدم توصّل اجتماع رئيس الحكومة سعد الحريري ومعاون الأمين العام لحزب الله حسين الخليل، مساء الثلاثاء، إلى أي نتيجة ملموسة. كانت هذه الخلاصة كافية لحزب الله كي يستنتج أن الاجتماع كان سلبياً. بقي كل من الرجلين على موقفه من القرار الظني وشهود الزور، واكتفيا بحصول اللقاء ليس إلا. وقد يمثّل مؤشراً إلى استبعاد أي لقاء آخر ما لم يسبقه استعداد أحدهما للتخلي عن تصلبه وشروطه. لكنه مؤشر إضافي أيضاً إلى تعذّر عقد لقاء بين الحريري والأمين العام لحزب الله السيّد حسن نصرالله في ظلّ هذا التصلّب.

3 – استمرار الحوار المقطوع بين دمشق ورئيس الحكومة، وكلاهما لا يبذل جهداً لمعاودته. بل إن زواراً بارزين للرئيس السوري سمعوا منه، في الأيام الأخيرة، كلاماً قاطعاً مفاده الآتي: لا آمال متوقعة بتفاهم وحلول سياسية. المعارضة تملك خطة للتحرّك، وعليها المبادرة ووقف إهدار الوقت، والتصرّف بلا تردّد من خلال مجلس الوزراء ومجلس النواب بما يعزّز موقعها ودفاعها عن وجهة نظرها. لم يكتم الأسد امتعاضاً من المماطلة، واعتقاده بأن الهوامش بدأت تضيق، في معرض إعرابه عن استيائه من الطريقة التي قارب بها الحريري علاقته بدمشق.

4 – تمديد مهلة تأخير بتّ ملف شهود الزور أسبوعين آخرين. ورغم إرجاء مجلس الوزراء، في جلسة الأربعاء الماضي، البحث فيه إلى الأسبوع المقبل، إلا أن هذه المهلة مرشحة للمرة الثالثة على التوالي للتمديد، من غير أن تسبقها – حتى الآن على الأقل – أي مفاجأة ريثما تكون الاتصالات المحلية والإقليمية حدّدت المسار الذي ستسلكه المواجهة بين الحريري وحزب الله. بإزاء تمسّك الحريري وحلفائه بعدم المساومة على المحكمة الدولية، أو اتخاذ أي موقف من القرار الظني قبل صدوره، أو إحالة ملف شهود الزور على المجلس العدلي، يتصرّف الفريق الآخر على أنه في صدّد تقويض الشروط الثلاثة.

5 – يوماً بعد آخر تنكمش فرص وجود فريق ثالث في منطقة رمادية بين الحريري وحزب الله. الدور الذي يحاول رئيس الجمهورية ميشال سليمان ورئيس المجلس نبيه برّي ورئيس الحزب التقدّمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط ورئيس تيّار المردة النائب سليمان فرنجية الاضطلاع به، بغية لجم اندفاع الطرفين المتناحرين إلى مواجهة تختلط فيها الخيارات السياسية بالعصا الأمنية. ويسعى هؤلاء عبر الاتصالات المباشرة وغير المباشرة الدائرة بينهم إلى منح التسوية السياسية فرصة أوسع، من أجل فصل الخلاف على ملفّي القرار الظني وشهود الزور عن المحكمة الدولية. على نحو كهذا استقطبت الزيارة الأخيرة لرئيس المجلس إلى دمشق اهتمام الأقطاب الثلاثة الآخرين الذين سعوا إلى استكشاف الموقف السوري من المأزق الحالي بعد قمّة الرياض. وسيقود هذا الاستقطاب جنبلاط إلى دمشق للاجتماع بالرئيس السوري في الساعات القليلة المقبلة والاطلاع على موقفه.

6 – رغم جهر العاصمة السورية بضرورة المحافظة على التهدئة والحؤول دون انتقال الخلاف السياسي إلى توتر أمني، بيد أنها لا تستقبل بحماسة وجود أفرقاء في منطقة رمادية، في وقت ترى نفسها فيه طرفاً مباشراً في المواجهة القائمة بين قوى 8 و14 آذار على المحكمة الدولية. في أحسن الأحوال، باستثناء رئيس الجمهورية الذي يحتاج إلى المحافظة على دوره التوافقي، تنظر دمشق إلى برّي وجنبلاط وفرنجية على أنهم جزء لا يتجزأ من المواجهة مع الفريق الآخر، وهم في صلب قوى 8 آذار وليسوا وسطاء بينهم وبين قوى 8 آذار، ولا بالتأكيد مع دمشق. والواضح أن الزعماء الثلاثة دقوا أكثر من ناقوس تحذير عندما ميّزوا، في مواقفهم، بين المحكمة الدولية وبين القرار الظني وشهود الزور. وإذ بيّنوا، بتفاوت، تأييدهم استمرار المحكمة، التقوا على التحذير من قرار ظني يقود البلاد إلى الحرب كفرنجية، أو إلى الفتنة كجنبلاط، وعلى ضرورة بتّ ملف شهود الزور ومحاكمتهم في أسرع وقت ممكن كبرّي.

على أبواب مواجهة محتملة، في غياب أي استعداد لتسوية سياسية على المحكمة الدولية، ينطلق حزب الله من واقعين:




أولهما، أنه لم يأخذ على محمل الجدّ اتهام أفراد منه باغتيال الحريري الأب إلا عندما أفصح الحريري الابن لنصر الله عن هذا المنحى الذي سيسلكه القرار الظني. حتى ذلك الوقت، رغم العاصفة التي أحدثتها دير شبيغل الألمانية بتوجيه الاتهام باكراً إلى حزب الله، قبل سنة ونصف سنة من الموعد المتوقع لصدور القرار الظني، أتت مفاتحة رئيس الحكومة الأمين العام للحزب في سبل مواجهة اتهام كهذا يُوجّه إلى أفراد غير منضبطين اغتالوا الرئيس السابق للحكومة، وعدّهم كبش محرقة لتجنيب لبنان فتنة مذهبية، بمثابة إعلان بتهديد مباشر ينتظر حزب الله. مثّلت هذه المكاشفة إنذاراً أول صدّقه الحزب، وأعدّ العدّة لمواجهته. لكن هذا الاحتمال استعاد في الوقت نفسه، بالنسبة إليه، تجربة سوريا مع التحقيق الدولي بين عامي 2005 و2009: اتهم التحقيق الدولي سوريا بجريمة الاغتيال بغية النفاذ إلى حزب الله على أنه أداة منفذة للعقل المدبّر. على نحو مماثل فإن احتمال توجيه القرار الظني الاتهام إلى الحزب كأداة منفذة للاغتيال يتوخى بدوره تكرار وجهة الاتهام إلى سوريا كعقل مدبّر أو ذي دور مباشر في الجريمة، نظراً إلى تحالف الطرفين وإمكانات التسلّح غير المحدودة التي وضعتها دمشق في تصرّفه. بذلك يصبح حزب الله وسوريا المسؤولين الحتميين المعنيين باغتيال الحريري الأب.

ثانيهما، يلتزم حزب الله الصمت في الإجابة عن سؤال يُطرح عليه، وهو كيف سيخوض معركة إسقاط المحكمة الدولية عبر المواجهة المباشرة مع القرار الظني؟ تملك قيادة الحزب الجواب ولا تفصح عنه، ولا توسّع الاجتهاد في توقع تكرار تجربة 7 أيار 2008 أو تكرار تجربة حكومة 2005 بالاعتكاف ثم الاستقالة، إلا أنها تتصرّف على أنها متيقنة من أن القرار الظني سيوجّه الاتهام إلى الحزب. في جزء ظاهري من التزام الصمت تأكيد حزب الله تمسّكه بالتهدئة إلى أن يشعر باستنفاد الوقت حتى الرمق الأخير. لكنه يكتفي بالتذكير بحالين متباعدتين: الأولى عام 2000 عند انسحاب الجيش الإسرائيلي من معظم المناطق التي كان يحتلها في الجنوب، فلم يقل حزب الله كيف سيحتفظ بسلاحه ويُكسبه شرعية شعبية بعدما انتفت الذريعة الرئيسية لمقاومته، وهي وجود الاحتلال الإسرائيلي على أجزاء من الجنوب. والثانية عام 2008 عندما أعيد طرح السؤال عليه بمنطق مختلف: كيف سيدافع عن سلاحه لجبه الحملة الشرسة التي كانت تخوضها ضدّه قوى 14 آذار من داخل السلطة ومع مجلس الأمن؟ فلم يُجب أيضاً.

في الحال الأولى أبقى على سلاحه بين يديه، وفي الثانية دافع عنه.