تأكيداً لكلام بيار الضاهر – جان عزيز – الأخبار


لا شك في أنّ كلام بيار الضاهر قبل يومين، قد صدم البعض، وأغضب بعضاً آخر، وأراح بعضاً ثالثاً. ولا شك في أن اتهامات كثيرة قد ساقها، ومثلها قد أثارها، ضد خصمه، وضد نفسه، وضد جيل كامل موزّع على كل «القواتات» السابقة، ضمن الطوائف اللبنانية كلها، في زمن الأحلام المكسورة، والأوهام المكتشفة، والوجدانات المغتصبة، والصمت المحرّم، على طريقة خوف «الأومرتا» من الآخر، أو خوف الخجل من الذات…


ولا غروَ أن مشكّكين كثراً، سيعتبرون كلام الضاهر، معيباً في توقيته، على أنه جاء في لحظة وسائلية، في سياق مصلحة أو حاجة أو تبرير أو تسويغ…

لكن ماذا لو أُخذ كلام الضاهر من زاوية أخرى؟ لا كونه تجريحاً بشخص، ولا إدانة لمجموعة، ولا تهشيماً لفئة، بل على أنه توصيف مفهومي منهجي، عابرٌ لأشخاص حربٍ مضت، وشامل لكل مجموعاتها، وقابل للتعميم على فئاتها كافة…

قد لا تكون القوات، في لحظة نشوئها، بنت الميليشيا، ولا هي، في علة قيامها، وليدة ذلك النهج المافيوي الذي وصفه الضاهر، ولا هم شهداؤها، زمن النشوء والعلة، لقطاء ممارسات السرقة والمصادرة واستباحة الحقوق وانتهاك الحريات. فالقوات، كما كل «قواتات» الطوائف ـــــ أو قل القبائل والعشائر و«عائلات» المافيات اللبنانية في زمن الحرب ـــــ كانت في الأساس والبداية، حركة دفاع عن «شعب»، و«مقاومة» جماعة. كانت تمتلك في تلك البدايات، كل عناصر تحديد «المقاومة» وتعريفها: بدءاً برد الفعل العفوي الفوري المباشر، في وجه خطر «خارج» عن الجماعة، وصولاً إلى انبثاقها من وجدان مهدّد في وجوده، أو في خصوصية هويته وذاتيته وحقه والتطلعات… ولتلك «المقاومة»، كما لسواها من «مقاومات» الجماعات كافة، شهداؤها المتطابقون مع ذلك التعريف، المنسجمون مع مقتضياته، «الذين بيّضوا حللهم بدم الحمل» فعلاً.

بعدهم، تبدلت السياقات. فترت مكوّنات «المقاومة». واستجدت مفاهيم «السلطة». وتحديداً تلك السلطة الذاتية، حيث لا «دولة»، وخصوصاً سلطة اللادولة، في ظل حرب أهلية، أو «مدنية»، كما يقول الفرنسيون. حيث لا شيء في تلك الحروب يمتُّ إلى «المدنية» بصلة… فتآكلت القيم، وضحلت الروح، فأكلت الثورة أبناءها. تماماً على طريقة جورج أورويل، الذي يستحق أن يدرَّس لكل أجيال ما بعد الحروب، كأفضل ترياق لتجنّب تجددها، وعدم تكرار «المأساة» في نسخة «ملهاة»…

لم يشذّ سمير جعجع عن تلك القاعدة. هو الآتي من الثورة، إلى أكلها. هو المارُّ على تماس دو شاردان وجاك ماريتان وإتيان جيلسون… لينتهي محاولاً انتزاع منزل مطل على البحر، كما قال الضاهر… هو الخارج من حزام بؤس الضاحية المسيحية، ليدخل، مع وطن كامل، في ذهنية بائسة لا تعود تدرك خطَّ تماس التضحية بكل شيء في الوطن. ولم يكن جعجع وحيداً في ذلك النموذج. ولم تكن «قواته» حالة شاذة في ذلك المشهد. كلهم كانوا كذلك. وكل «قواتاتهم» عرفت هذا النهج وتلك الممارسات. حتى إنّ بعضهم استدامها، في ظل الدولة، وباسمها. قد تكون مشكلة جعجع أنه هُزم مرة واثنتين. وقد يكون مأزقه أنه استدخل عوامل الهزيمة في ذاته واستبطنها في أدائه، وقد تكون أزمته الراهنة، أنّ انطباعاً يتكوّن اليوم، باتجاهه نحو هزيمة مماثلة متكررة. وهو ما يسهم ربما في الإكثار من الحديث عن تجربته، وفي جعل «الخروج» عن صمته ممكناً، لا بل غزيراً. فيما الحقيقة أن الجميع كانوا مثله. أو هم لا يزالون.

هكذا لا يُحكى عن تجربة نبيه بري، في الحرب والسلم، في الحركة كما في الدولة. ولا يكتب عن وليد جنبلاط، حتى يبلغ الصمت و«التسامح» حياله. وهكذا لا يؤرَّخ الكثير عن تجربة حزب الله، قبل حسن نصر الله. حيث تكتم الذاكرات الكثير، مما تشي به ولو بالقليل صورة الطفيلي… وطبعاً، لا تُذكر تجربة رفيق الحريري، بعدما وُسم الراحل بهالة «الشهيد»، فلا من يشهد بعدها على كل ما استشهد إبان تجربته وبعدها… حتى المرحلة السورية بدأت تتحول اليوم «محرماً» جديداً. كأنّ جوزف سماحة قد عرف توقيت رحيله، قبل رحيل معادلته الشهيرة، حول ضرورة تشريح تلك المرحلة بالذات، «من أجل توزيع عادل لمسؤولياتها، بين بيروت ودمشق».

وسط تلك الصورة، ضروري جداً كلام بيار الضاهر. بمعزل عن سياقة والدوافع. ضروري من أجل جعجع وناسه. ومن أجل كل «ناسات» القادة الملهمين الآخرين، لكي يُعطوا نموذجاً في الكلام، في البوح والاعتراف والنقد وحتى الاتهام… كل ذلك، من أجل أن يدرك صبيّان مراهقان على دراجتَين ناريتين متقابلتين بين عين الرمانة والشياح، كيف تبدأ الحروب الأهلية بأوهامهما، وكيف تنتهي بالتنازع على ملكيات، لا قيود مكتوبة لها، باستثناء ما تكتبه دماؤهما، بعدما تصير نسياً منسياً…