عن «المقاومة» و«الحقيقة» – حسام عيتاني – الحياة

علامَ هذا النزاع بين اللبنانيين؟ وما الذي يستحق التهديد بإحراق البلد واستباحته، من جهة، والتمسك بمحكمة دولية لن يكون حكمها سوى وبالاً على لبنان، بغض النظر عن اسم المُدان، من الجهة المقابلة؟

دعونا من زجليات الدفاع عن المقاومة وغباره، ومن أهزوجة «العدالة والحقيقة». فالمقاومة تستطيع أن تبسط سيطرتها المسلحة على لبنان، متى أرادت أو أريد لها. وقد ألحقت مع حلفائها والمتفاهمين معها، أضرارا لا ترمّم بصورتها وسمعتها، في الداخل والخارج، ومن دون جميل خصومها وأعدائها الذين وقفوا يتفرجون عليها تغرق في وحول الأزقة وآفات العنجهية والتسلط الناجمين عن عقد نقص قديمة. ووزراء المقاومة ونوابها عينات حية على كمية معتبرة من العقد النفسية – الاجتماعية العصية على الحل.




أما «الحقيقة والعدالة» فالسؤال يدور عن معناهما عند مجموعة من البشر أثبتت عجزها عن الاستفادة من الفرص التاريخية التي أتيحت لها لبناء دولة حديثة، مفضلة الانكفاء إلى أحضان الطوائف والبحث عن وصاية جديدة في الخارج كلما لاح أمل بانتهاء وصاية قديمة. عليه، لا قيمة لـ «الحقيقة والعدالة» ما لم تستثمرا في مشروع سياسي صريح في إجاباته على أسئلة الحريات الفردية والعامة والعدالة الاجتماعية والتصور المستقبلي لعلاقات لبنان بالعالم العربي والصراع العربي الإسرائيلي. الرطانة التي احتوتها أدبيات قوى 14 آذار (مارس) لا تنفع في المجالات هذه، سوى في زيادة الغامض غموضاً.

وكما أن لا وجود لـ «الفن من أجل الفن»، فإن ما من ضرورة لـ «الحقيقة من أجل الحقيقة». ومن يطلب الحقيقة والعدالة، عليه تعميم قيمهما على فريقه ومؤسساته وممثليه، أولاً. وإلى جانب مقولة أن الحقيقة تمنع استمرار الاغتيالات أو تدخل العنف في الحياة السياسية، فإن دعاة الحقيقة لم يشرحوا لنا ماذا سيفعلون بها عند بزوغ شمسها.

لكن، وعلى سبيل التغيير، وللخروج من رتابة تبادل الاتهامات المُرمزة والمموهة، لنقل لمرّة أن الصراع (السياسي وليس المذهبي) في لبنان يدور حول السلطة. «المقاومة» ليست غير اسم رمزي لمشروع و»الحقيقة» اسم مقابل.

تريد الأولى الاستحواذ على السلطة لإقامة نظام حكم تراه أكثر التزاماً بخط الممانعة خارجياً، وأقرب إلى طموحات الطبقات المستضعفة داخلياً. لكن ما لا يعلنه الفريق هذا، هو أن نموذجه هو كوريا الشمالية وليس هانوي. بمعنى ان المطلوب للبنان هو أن يكون قوة احتياط وساحة في منازلة الدول الأكبر، وليس عاصمة الثورة المتجهة جنوباً. وبين تجربتي كوريا الشمالية وفيتنام الشمالية (وعاصمتها هانوي) فرق شاسع.

أما الثانية فتريد بقاء حصتها ونهجها الحاليين («الاستئثاريين» بلغة فريق 8 آذار)، من دون القدرة على تقديم برنامج إصلاحي عميق وجدي، فتُترك العلل المشكو منها، سواء في النظام السياسي أو الإداري أو الاقتصادي في لبنان، تستفحل من دون حساب. هذا ناهيك عن اعتباط في السياسة الخارجية لا يأخذ في الاعتبار ضعف موقع لبنان في محيطه وحاجته إلى ما يزيد عن المسايرة والتملق للخارج.

والسؤال أمام اللبنانيين المنقسمين شيعاً ومللاً وأحزاباً هو: هل من أجل مشروعين كهذين، وأغطيتهما المذهبية المنفرة والمقززة، ينبغي تدمير بلادنا للمرة المئة وقتل الآلاف من مواطنينا؟ لعل الوقت قد حان للتخلص من قشرة الشعارات والتأمل في ظلام الواقع وآفاقه المسدودة.