//Put this in the section

التبرع للجيش اللبناني – عبد الرحمن الراشد – الشرق الاوسط

استلطفت دعوة وزير الدفاع اللبناني إلى جمع التبرعات لتمويل جيشه، فهذه المرة الأولى التي أسمع فيها عن جيش في العالم ينوي بناء تسليحه وتجهيزه عبر التبرعات. والجيش اللبناني يعيش وضعا صعبا، فهو أكثر جيوش العالم معاناة من الإهمال والظلم.

يستعين بآليات قديمة منذ أيام الاتحاد السوفياتي، ومن مخلفات الولايات المتحدة، ومعظم تسليحه جاء مشكلا من تبرعات من دول من بينها أيضا فرنسا وبريطانيا وسورية وإيران والإمارات، وبالطبع كل متبرع له مصالح يريدها أن تراعى. الوزير ميشال المر رفض التسليح الأميركي الموعود وقيمته مائة مليون دولار بحجة أنه لا يريد هديتهم إن كانت مشروطة. طبعا موقف وطني مستقل جميل؛ لكن ماذا عن بقية المتبرعين؟ وتعويضا عن المائة مليون الأميركية وضع الوزير ووالده إلياس المر يديهما في جيبيهما وأودعا ستمائة ألف دولار في حساب جديد خصصاه لتجهيز الجيش اللبناني، وطلب من الآخرين المسارعة بالتبرع. موقف شهم من الوزير، إنما أين هم بقية المتبرعين؟




وأزمة الجيش ليست جاهزيته، ولا حاجته للتطوير، بل هي في موقعه في نظام الدولة والاعتراف به كمؤسسة البلاد الوحيدة التي يحق لها حمل السلاح. فالسلاح يمكن الحصول عليه بالشراء أو المساعدات، لكن ما الفائدة إذا لم يكن للمؤسسة العسكرية الدور الطبيعي في الذب عن البلاد؟ كيف يمكن أن يكون هناك جيش وبجواره عدة ميليشيات مسلحة تزاحمه، وبعضها أكثر عددا وأفضل تسليحا منه مثل حزب الله؟ والجيش مغضوب عليه دائما من فريق ما، إن دخل في حرب أو تحاشاها.

فهو في الحرب الماضية اضطر إلى تسليم موقعه للإسرائيليين بسبب فارق القوة، فطلب البعض جر قادته إلى المحكمة العسكرية. وفي الاشتباك الأخير حول قطع الشجرة أيضا قيل إن واجب الجيش أن يتصدى للعدو حتى وإن لم يكن له حق السيطرة على الشق اللبناني من الحدود. هذا الوضع الصعب ليس وليد اليوم بل تركة النزاع السياسي والحروب المتراكمة.

تاريخيا كانت بداية الجيش مثيرة سياسيا، فهو وإن أسس بعد الحرب العالمية الثانية، فإن النواة الأولى كانت تحارب في صف حكومة فيشي الفرنسية التابعة لألمانيا النازية، ثم وبعد هزيمة العرب الموالين لفيشي تشكلت قوة لبنانية مع الجانب الآخر. وقاد الجيش الجديد الزعيم التاريخي فؤاد شهاب الذي دخلت معه البلاد الاستقلال.

ولو كان الجيش مؤسسة وطنية قوية ربما اختصر لبنان زمن حروبه، وما صار استغلال لبنان سهلا من دول المنطقة وجماعاتها. فلبنان رزح تحت القوة الفلسطينية ثم السورية والإسرائيلية والآن ميليشيات حزب الله والقوات اللبنانية والجماعات الإسلامية المتطرفة وغيرها. وبالتالي حتى لو تم تسليح الخمسين ألف جندي لبناني شرعي بأفضل أنواع الأسلحة في العالم فإنه يبقى جيشا بلا دور واضح الحقوق في حماية لبنان من العدوان الخارجي ومن الفتن الداخلية. وأحد الأسباب التي ربما دفعت الأميركيين إلى أن ينفقوا بكرم على الجيش اللبناني، وقد استثمروا حتى الآن أكثر من ستمائة مليون دولار في مشتريات عسكرية لتجهيزه، لأنهم يظنون أن الجيش عندما يصبح قويا يمكن حينها إلغاء ميليشيات مثل حزب الله. وهذا تصور غير واقعي عند النظر إلى الواقع اللبناني الحالي؛ فالجيش سيظل ضعيفا دون اتفاق سياسي على منح الجيش الصلاحيات لا الأسلحة فقط.