أميركا منسحبة وباقية والعراق أسير التواطؤ – رفيق خوري – الانوار

العراق على موعد مع المجهول، وهو يشارك أميركا الاحتفال بموعد معلوم سمي (اليوم الأخير لعملية تحرير العراق). فالرئيس باراك أوباما يعلن من البيت الأبيض (الإنهاء الرسمي للمهمة القتالية) عبر تحقيق وعده بسحب القوات الأميركية. ونائبه جوزف بايدن يدور بين السياسيين في بغداد قبل الوقوف بين خمسين ألف جندي باقين، نظرياً، حتى نهاية العام 2011 في مهمة صار اسمها (الفجر الجديد). وقادة القوائم الأربعة الفائزة في الانتخابات يتصارعون منذ خمسة أشهر على رئاسة الحكومة في لعبة تديرها أميركا وايران وتشارك فيها بنسب متفاوتة دول الجوار.


لكن التعابير الفخمة في الخطاب الأميركي عاجزة عن تغطية المشهد التراجيدي على المسرح العراقي وخطابه السياسي البائس. فلا يوم 31 آب 2010 هو نقطة في نهاية السطر بل مجرد فاصلة بين سطور الغزو الأميركي. ولا ما حدث كان تحريراً للعراق، ولا ما يحدث غداً هو فجر جديد. حتى موعد الانسحاب النهائي، فإنه مفتوح على تطورات قد تقضي ببقاء القوات الأميركية.




ذلك أن واشنطن تبحث عن تمتين أو تطوير (شراكة استراتيجية دائمة مع العراق). والقيادات العراقية منقسمة بين من يرى الانسحاب النهائي حلماً يريد تحقيقه وبين من يراه كابوساً يخاف من مرحلة ما بعده. فضلاً عن أن الصراع الذي استولده الغزو الأميركي أو أعطاه أبعاداً جديدة الى جانب جذوره التاريخية، له مفاعيل مستمرة في ظل الوضع الحالي، ولن تختفي بعد الانسحاب النهائي.


والسؤال البسيط هو: أي تحرير هذا الذي وضع العراق أسير لعبة في أغرب علاقة هي مزيج من العداء والتنافس والصفقات بين أميركا وايران? أي فجر جديد هذا الذي يضع أمام العراق احتمالات خطيرة: من انفجار الحرب الأهلية ومعها التدخل الإقليمي الحتمي الى انقلاب عسكري مكشوف أو مقنّع، بحيث تصبح المحاصصة الطائفية والمذهبية والاتنية هي الخيار الأقل خطورة? ماذا عن التواطؤ المخيف على عروبة العراق ودوره في المنطقة? وماذا عن الديمقراطية حين تصوت كل مجموعة مذهبية أو اتنية في اتجاه واحد، ويصبح علماني مثل اياد علاوي ممنوعاً من تولي رئاسة الحكومة برغم أن كتلته جاءت الأولى في الانتخابات لمجرد أن أصواتها جاءت من مذاهب متعددة?


لا أحد يجهل أن مواجهة التحديات أمام العراق تحتاج الى عمل استثنائي كبير. فالاصطفاف الطائفي والمذهبي والاتني المفتوح على أبعاد إقليمية ودولية هو أداة العجز عن المواجهة وتكريس الواقع الخطير. والرهان على الوطنية العراقية والعروبة، حيث الطريق الوحيد لمواجهة التحديات، هو معركة كبيرة مع قوى تخيفها الوطنية والعروبة بمقدار ما تخاف من الدولة المدنية.