يتامى ثورة الأرز: الخيبة تهبّ مرّتين – غسان سعود – الاخبار

إثر اغتيال الرئيس رفيق الحريري، التحق كثيرون بركب العاصفة الأميركية. ظنّوا في لحظة أنهم ملكوا العالم. لكن العاصفة مرّت، وتركتهم وراءها وحيدين وسط أكوام من الغبار

عام 2005، كان كلّ شيء مختلفاً. مئات الآلاف من المواطنين يرفعون قبضاتهم في الساحات، ومئات الآلاف من الدنانير توزّع على المحظيّين دون حساب. آنذاك، مازح أحد النواب الفائزين باسم ثورة الأرز زملاءه قائلاً: «يبقى راتب النيابة الشهريّ أهمّ شيء بالنسبة إليّ». بعد خمسة أعوام، يتبيّن للنائب نفسه أنّ ما قاله لم يكن مزحة. فمرارات السياسة امتزجت بشحّ حنفيّة قريطم. تخلّى سعادته عن مرافقيه، ومنح سيّارته الخاصة لسائقه كي يعتاش من «التتكيس» عليها، بعدما عجز عن دفع أجرته

النائب الذي عرف أيّام مجد كان يسير خلالها في بيروت ملوِّحاً للأهالي بكفّيه باعتباره أحد أبطال تحرير العاصمة، يضطر اليوم إلى ملازمة منزله لافتقاده مرافقين يحمونه إن استهدف، ولخوفه من تعيير الناس له. هناك في منزله، يتّكئ على كنبة ما انفكّ ينقلها منذ أربعين عاماً من منزل إلى آخر، ويتأفّف من كلفة الإيجار الباهظة. فمَن مثله لا يستطيع السكن إلا داخل أحد المربّعات الأمنيّة الحديثة النعمة

يتأمّل النائب سنواته الضائعة قائلاً: «في 14 آذار 2005 لم يكن الرئيس سعد الحريري في بال أنصار والده ولا على خاطرهم. كانوا يهتفون باسم شقيقه بهاء: بهاء بهاء بعد الله بنعبدو. يومها كان ميشال عون في باريس، وليد جنبلاط في المختارة، وسمير جعجع تحت الأرض. كنّا نحن الأساس. لكن تبيّن أنهم أرادونا لكتابة بيانات لا يقرأها أحد». وكمن يكتشف فجأة قادة الثورة التي شارك في صنعها، يقول: «لا أحد منهم يريد بناء الدولة. فهي، إن قامت، تلغي مبرّر وجودهم». ويتابع: «كلّهم جبناء. كلّهم جبناء. يخافون على حياتهم». لكنّ ذلك لا يمنعه من تحييد صداقته مع النائب وليد جنبلاط عن السياسة حتى لا يتصادما، ومن تقليل لقاءاته مع الرئيس سعد الحريري حتى لا يحرجه. فنائبنا ثابت، بحسب رأيه، على المبادئ الأولية لثورة الأرز

ما يعزّيه أنه ليس وحيداً. معه مجموعة ممّن كانوا يطلقون على أنفسهم صفة غير التقليديين في قوى 14 آذار. بعض هؤلاء يساريّ الجذور، وبعضهم الآخر شيعيّ المذهب. احتضنهم زعماء 14 آذار بحنان، وأخلوا لهم كراسي الصدارة في معظم الاحتفالات. لكن، كما صعدوا بهم في لحظة، أنزلوهم في لحظة أيضاً: واحد اختار الهجرة، وآخر ينشغل عن فقره بتحديد الثوابت لقيام الجمهورية، وثالث حائر بين رئيس للجمهورية يخجل به ورئيس حزب يفرض عليه إعلان الولاء المطلق للقوات اللبنانية… وآخرون كثر اكتشفوا إثر توقّف الشيكات بعد توقّف الفاكسات التي كانت تصل إلى حركتهم الديموقراطية، أن الحريري حتى في شهر رمضان لا تستوقفه وجوههم الشاحبة، ولا يدعوهم إلى إفطارات قريطم

وفي قريطم أيضاً، يسكن رجل الدين المُقال في شقّة صغيرة، مكرّساً وقته لتدريس تلامذة القوات اللبنانية أصول الفقه والتمايزات في الفكر الشيعي. أمّا «خونة» ميشال عون و«خوارجه»، فاكتشف عقل قريطم أخيراً أنّ العونيين لن يتركوا قائدهم للسير خلف هؤلاء، ولا مبرّر بالتالي لإبقائهم «فوق الرفّ». فليُنفَض عنهم الغبار، ويُرتَجعوا مع الشكر.
لا يقف «التخلّي» عند حدود بيروت الكبرى. ففي قهوة «كافي دو فيل» في طرابلس، ثمة طاولة يقضي ثلاثة من نواب المستقبل السابقين نهارهم حولها، يشكون ويتشكّون ويشتكون
ضيّع هؤلاء فرصة العمر، فشغلتهم البيانات اليومية في ذمّ ميشال عون عن تأسيس حيثيّة شعبيّة تربحهم أقلّه المجلس البلدي في قراهم. وها هم اليوم غير مرئيين بالنسبة إلى المواطنين، يمرّون بالقرى والأحياء من دون أن يعلم أهلُها بأن الندّابين الثلاثة ليسوا إلا ممثليهم السابقين. ومن طرابلس إلى زغرتا، قطع الحريري الحبل بالنسبة إلى حلفائه، فتراهم اليوم يعلقون آمالهم على مضاعفة إنتاجهم من الجبن واللبنة ليوفروا لأنصارهم مستوى المعيشة نفسه الذي عوّدوهم عليه في الأعوام القليلة الماضية.
المجتمع المدني… الحريري
المجموعة الثانية من يتامى الثورة هم ممّن كانوا يصنّفون أنفسهم في خانة المجتمع المدني. وقد سحرتهم الثورة فتحوّلوا رأس حربة في الدفاع عن أفكار 14 آذار التي رأوا أنّها أفكارهم أيضاً. لكنّهم اكتشفوا لاحقاً أنّ من اختارهم سعد الحريري لتمثيل الشعب في المجلس النيابي، لا يعنيهم الزواج المدني أو السلم الأهلي أو محاربة الفساد أو الشفافية أو حقوق الإنسان وغيرها من العناوين المدنيّة. ولمسوا عن قرب بعدما وطدوا علاقتهم بالسياسيين أن المنابر التي يستخدمونها باسم المجتمع المدني للمناداة بالديموقراطية، بعيدة كل البعد عن الديموقراطية. وتروي ناشطة كان لها في كل عرس آذاري قرص، أنها فقدت اتصالها بالثورة إثر اجتماع جمعيتها بأحد نواب المستقبل البيروتيين الذي طلب منها عدم إزعاجه بعد اليوم باجتماعات مماثلة تبحث حقوق الطفل في لبنان، لانشغاله بأمور أهمّ تتعلق بتحصين السيادة والحرية والاستقلال

هناك من اكتشف كذبة 14 آذار الكبيرة فاعتكف في منزله أو استكمل نضاله بعيداً عن السياسة. وهناك من فهم اللعبة وأكل فيها. لماذا؟ لأن الجمعيات المرضيّ عنها في قريطم كانت تستفيد مادياً من الولع الأميركي بنشر الديموقراطية، ومن مزاحمة الاتحاد الأوروبي للوكالة الأميركية للتنمية الدولية على صعيد تمويل المشاريع. فتضاعفت في الأعوام الماضية أجور الموظفين في الجمعيات أربع مرات، وباتت بنية بعض الجمعيات أشبه بمؤسسات تيار المستقبل الخاصة، علماً بأن عقل تيار المستقبل، «اليساري الهوى»، كان قد أوصى نواب كتلته في أوائل 2006 بإنشاء جمعيات إنمائية و«فكرية» في مناطقهم، والتزم كثيرون تنفيذ الوصية. إلا أنّ النتيجة اليوم هي أيضاً معاناة من الشحّ نفسه

هكذا انتهت إحدى أبرز ناشطات «المجتمع المدني» خلال الانتفاضة، أشبه بمسؤولة إعلاميّة في تيار المستقبل. واكتشف كثيرون أنهم لم يغيّروا شيئاً في العالم إلا مستوى معيشتهم، والأذكياء بينهم هم من خبّأوا قرشهم الأبيض ليومهم الأسود هذا. كثيرون قارنوا بين تجربتهم وتجربة الوزير زياد بارود، فاكتشفوا أنّ من لا لون له سواء في تيار المستقبل أو على هامشه، أقلّ قدرة على الترقي السياسي. وبحسب أحد ناشطي المجتمع المدني المتقاعدين، فإن قوى 14 آذار استفادت من «المجتمع المدني» على مستويات عدة: أولاً، ظهروا أمام الغرب بمظهر القوى التقدمية التي يتصدر المتطوعون وسعاة الإصلاح صفوفها. ثانياً، غطّوا عبر أفكار هذه الجمعيات الخلاقة فراغهم الفكري وجمّلوا صورتهم. ثالثاً، حمّلوا هذه الجمعيات مسؤولية متابعة تنفيذ بعض المشاريع الإنمائية بتمويل دولي. أما اليوم، يتابع الشاب، فقد انتفت الحاجة لهؤلاء، وخصوصاً بعد اقتناع تيار المستقبل بأن حركة «المجتمع المدني» دون بركة، ولا مبرر لهدر الأموال. وثمة معلومات تؤكد أن أحمد الحريري طلب من بعض الجمعيات تحمّل نفقات بعض موظفيها، رغم الأزمة المالية، لرغبته في استيعابهم في تيار المستقبل والاستفادة من خبرتهم.
موسم العودة إلى «غلاييني»
ومن المجتمع المدني إلى ثالث المجموعات المُيتّمة حديثاً. فقد استقطبت قوى 14 آذار عدداً كبيراً من الإعلاميين، وأعطي دور كبير للصحافيين الشباب، وخصوصاً من كُتب على إخراجات قيدهم أنهم من الطائفة الشيعية. لهؤلاء فتحت المواقع الإلكترونية، لهم قناة «الحرّة» كلها، ومن أجلهم استحضرت قنوات فضائية عربية إلى بيروت. يروي أحد هؤلاء أنه كان يعيش هانئاً، يكتب تحقيقات غير سياسية في صحيفة محلية ويتقاضى أجراً شهرياً يقارب ألف دولار. فجأة، تغير كل شيء. كان يستغرق يومين في إعداد تحقيق لا يتجاوز ثمنه خمسين دولاراً، فصار يتقاضى خمسمئة دولار ثمن مقال رأي يكتبه في عشر دقائق. تغيّرت نظرته لنفسه. شعر بالعظمة، وسرعان ما انتفض على صحيفته، مقدّماً استقالته.

كان ذلك قبل أن تتغير مقاربة الإدارة الأميركية فجأة للشعوب العربية، وتتيقن أن محاربة الدكتاتورية لا تكون عبر المواقع الإلكترونية، فتحدّ من تمويلها لمواقع كهذه. اليوم، يحاول الصحافي الشاب أن يستلذ بمنقوشة من عند الغلاييني، التي يبلغ ثمنها خمسمئة ليرة، تماماً كما كان يفعل قبل أربع سنوات. وهنا يشرح أحد الصحافيين من المجموعة نفسها أن مستوى دخلهم تراجع، لكنهم لن يموتوا جوعاً مثل بعض السياسيين وبعض الجمعيات، لأن ما بقي من قوى 14 آذار يخشى على نفسه من أقلام هؤلاء الصحافيين الذين تغلغلوا في مجتمع 14 آذار السياسي، وباتوا يعرفون الكثير. وبالتالي، جرى توفير مصادر دخل لهؤلاء الكتّاب تعوّض بعض ما جفّفته الإدارة الأميركية. وها هم اليوم يتوزّعون بين الصحف المموّلة من تيار المستقبل، ومواقع تيار المستقبل الإلكترونية، وقناة «إم. تي. في»، وبعض الجمعيات

هؤلاء جميعاً صدّقوا الحلم الأميركي بنسخته اللبنانية، واستفاقوا على كابوس. السياسيون الذين خسروا كل رصيدهم باتوا عاجزين عن حضور مآتم أصدقائهم. المجتمع المدني الذي أقام خطوط تماس مع مجتمع مدني آخر، يكتشف يوماً بعد يوم كيف ألغى نفسه بنفسه. والصحافيون الذين اختاروا السياسة بدل المهنة، يعانون اليوم من عوارض شحّ الأفكار.