//Put this in the section

جنبلاط: لا علاقة لي بشهود الزور ويراد من المـحكمة تطبيق الـ ١٥٥٩ – نقولا ناصيف – الاخبار

في أول لقاء بعد عداء مرير، في 31 آذار، قال له الرئيس بشّار الأسد: دعنا من الماضي ولنتحدّث عن المستقبل. وانتهى ماضي الرجلين عند هذا الحدّ، بعدما تحدّث النائب وليد جنبلاط عنه قليلاً. منذ هذا اللقاء، أوصد جنبلاط نهائياً الباب على ذلك الماضي، لا لينساه، بل كي يتخلص منه

وجد رئيس الحزب التقدّمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط في قرار مجلس الوزراء البارحة، وضع اليد على ملف شهود الزور عبر جمع المعلومات عنه، إجراءً حكيماً. إلا أنه حاذر الخوض فيه، مفضلاً ترك الأمر للأجهزة المعنية كي تحقق، ومن ثم تقدّم الإجابة. لكنه يقول: «يكفينا الاتهام السياسي». وعنده أن شهود الزور أصبحوا، كالمحكمة الدولية، جزءاً لا يتجزأ من الاشتباك السياسي الداخلي.

يعزو الزعيم الدرزي تردّده إلى «أن لا علاقة لي بشهود الزور. يُقال إن هناك شهود زور. دعوا الأجهزة المعنية تتدخّل. الموضوع دقيق وحسّاس. هكذا يُقال. لكن لا علاقة لي به».

كذلك لا يجري حيال هذا الملف مراجعة نقدية، شبيهة بتلك التي أجراها على دفعات: عندما قرّر مصالحة حزب الله، وعندما قرّر الخروج من قوى 14 آذار، ثم عندما قرّر العودة إلى الخيار السوري والتحالف مع دمشق. ولأن ملف شهود الزور هو أيضاً جزء لا يتجزأ من المرحلة التي مثّل رأس حربتها بين عامي 2005 و2008، يقارب جنبلاط الملف على نحو الاكتفاء بوضعه بين أيدي الأجهزة المعنية كي تتحقق من هؤلاء، وتكشف من أدار شهود الزور وأوجدهم.

الواقع أن الزعيم الدرزي لم يستكمل نهائياً مراجعته النقدية للمرحلة السابقة، والتي لا تكتفي بالمصالحة مع الرئيس بشّار الأسد وحزب الله، بل تحمله على مراجعة بعض جوانب التحقيق الدولي في اغتيال الرئيس رفيق الحريري، في بداياته الأولى: «لم أجتمع بديتليف ميليس إلا مرة واحدة عندما زارني في المختارة عام 2005، وطلب إفادتي. وهي الإفادة الوحيدة التي أعطيته إياها. حينذاك لمّحت في إفادتي بإشارات وإيحاءات إلى الخشية من الوقوع في لعبة الأمم».

وعندما يقال له إن إفادته الأولى هذه، وجّهت كل الإفادات التالية التي أعطاها سياسيو قوى 14 آذار إلى التحقيق الدولي، وخصوصاً ما يتصل منها بعلاقة الرئيس الراحل بسوريا ورئيسها، يجيب: «لا أعرف ماذا قال الآخرون في إفاداتهم. أعطوا عشرات الإفادات من دون أن أعرف ماذا أعطوا، وبينهم مَن التصق بميليس ليل نهار. لا علاقة لي بهم، ولم أشتغل على شهود الزور. أسمع قصصاً عن هذا الأمر. كان اتهامنا في تلك المرحلة سياسياً. وعندما يحين الظرف الملائم سأتكلم. وعندما أعطي إفادتي أمام المحكمة الدولية فسيكون ذلك علنياً».

لعبة الأمم هذه تذكّر جنبلاط بحوار دار بينه وبين سفير دولة كبرى أحجم عن ذكر اسمه، وهو صديقه. قال له على أثر اندفاع قوى 14 آذار نحو فرض المحكمة الدولية: تريدون المحكمة الدولية، ستأخذونها. لكن لنرَ في ما بعد ماذا ستفعلون؟

مع ذلك، أيدت حكومة السفير إنشاء المحكمة الدولية وشاركت في تمويلها.

يضيف جنبلاط: «عندما طالبنا بالمحكمة الدولية، كنا في وضع يحول دون قدرتنا على تجاوز الحال النفسية والعاطفية بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري. لكن، عندما تعذّر إقرار المحكمة الدولية في لبنان، وأدخلها مجلس الأمن في الفصل السابع بهدف إنشائها، دخلنا في لعبة الأمم ولا نزال. باتت المحكمة الدولية اليوم مرتبطة سياسياً بالقرار 1559، وهناك مَن ينظر إليها على أنها إحدى وسائل تطبيق هذا القرار. في القرار 1559 بندان: الأول انسحاب الجيش السوري من لبنان، وقد انسحب بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري. والثاني تجريد الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية ـــــ أي الفلسطينية ـــــ من سلاحها. وعندما فشل العدوان الإسرائيلي عام 2006، واستحال على إسرائيل كسر الآلة العسكرية لحزب الله والمقاومة، بدأت مرحلة جديدة من تنفيذ القرار 1559 في هذا البند، وهو الاستعاضة عن تجريد حزب الله من سلاحه بضرب صدقيته من خلال بث الفتنة في لبنان. كان أول مظاهر هذا التوجّه القرار الظني وفق ما أعلنته مجلة دير شبيغل، ثم أكمله رئيس الأركان الإسرائيلي غابي أشكينازي. من خلال القرار الظني يراد خلق فتنة في لبنان».

ويؤكد جنبلاط تمسّكه بالمحكمة الدولية «أكثر من أي وقت مضى. لا يمكن إلغاؤها لأنه مستحيل، ولا أحد قال إنه يريد إلغاءها. لكن، لا بد من أن تأخذ المحكمة الدولية بالقرائن الجديدة، المهمة والجدّية، التي أعلنها السيّد حسن نصر الله لئلا تحرفها لعبة الأمم عن مسارها. هناك اتهام لإسرائيل بالضلوع في اغتيال الرئيس الحريري، ولا بد من الأخذ في الاعتبار هذا الأمر». يميّز بين الموقف من المحكمة الدولية والموقف من القرار الظني: «الأولى يريدها الجميع، والثاني هو مصدر فتنة وأنا أرفضه. كان السيّد حسن نصر الله حكيماً عندما لم يأتِ على ذكر المحكمة الدولية في مؤتمره الصحافي الأخير، بل على القرار الظني. للمحكمة الدولية رمزية خاصة لدى فريق الرئيس سعد الحريري. أنا أيضاً أميّز بين المحكمة الدولية والقرار الظني».

وخلافاً لما يُشاع عن إمكان اضطلاعه بوساطة بين رئيس الحكومة والأمين العام لحزب الله لإعادة الحوار المباشر بينهما، يقول جنبلاط: «لا أريد دوراً أكبر من قدراتي، دعوني أعمل وأشتغل على قدّي. هناك مسائل حساسة لا تحل إلا بالتواصل المباشر بين الرئيس الحريري والسيّد نصر الله، وأنا لا أستطيع أن أكون وسيطاً بينهما، ولا أريد أن أكون. أنا مرتاح إلى دعوات رئيس الحكومة إلى التهدئة والحوار مع حزب الله، وهو أمر مهم. كذلك سوريا تدعو إلى التهدئة وتصرّ على الاستقرار، وهي عامل رئيسي في تحقيقه. أما الذين يتكلمون على السيادة بمعزل عن التنسيق مع سوريا، فلا يسعني وصفهم إلا بالمجانين. أمن لبنان من أمن سوريا، وأمن سوريا من أمن لبنان. وهذا ما أكدناه في اتفاق الطائف. تريد سوريا الاستقرار في لبنان، لأنها ترفض القرار الظني وترى أنه مشروع للفتنة».

يضيف: «أنا مقتنع ـــــ كسوريا ـــــ بأن القرار الظني يستهدف الاستقرار الداخلي، وهو إحدى البوابات إلى الفتنة، وسيُستخدم في غير الأهداف التي تتوخاها المحكمة. هذا ما قلته في باريس الخميس الماضي».

كان جنبلاط قد تلقّى، السبت 7 آب، في عيد ميلاده الحادي والستين، مكالمة هاتفية من صديقه مساعد وزيرة الخارجية الأميركية لشؤون الشرق الأدنى جيفري فيلتمان عايده فيها، واتفقا على الالتقاء الخميس التالي، 12 آب، في العاصمة الفرنسية، في طريق فيلتمان في مهمة في العراق. لم يكن لقاؤهما مصادفة، إلا أن الزعيم الدرزي نبهه إلى خطورة القرار الظني المزمع صدوره عن المحكمة الدولية، ويتهم أعضاء في حزب الله باغتيال الحريري الأب. قال الكلام نفسه لمساعد المستشار الدبلوماسي للرئيس الفرنسي نيكولا غاليه، وكرّر عليهما أن القرار الظني قد يسبب مضاعفات أمنية في لبنان، ويؤول إلى فتنة.

لم يتمكن من الاجتماع بالمستشار الدبلوماسي جان دافيد ليفيت الذي كان خارج البلاد. لكن جنبلاط يتذكر أن مستشار الرئيس نيكولا ساركوزي ـــــ وهو اليوم مع الأمين العام للرئاسة الفرنسية كلود غيّان أبرز محاوري الرئيس السوري ـــــ كان إبان حكم الرئيس جاك شيراك سفير فرنسا في واشنطن، وخصوصاً في مرحلة الإعداد للقرار 1559.

لم يعقّب جنبلاط على جوابهما من أن حكومتيهما لا تتدخل في المحكمة الدولية، لكنه يقول إن أحداً لا يسعه قراءة التفصيل اللبناني إلا من خلال اللوحة الإقليمية الأوسع: «ما قلته لهما حمّلني إياه الرئيس الأسد. أنا لم أبلغ الرسالة فحسب، بل إنني مقتنع بها تماماً. ولا أعرف إذا كان جوابهما جدّياً أو لا. هل يتدخلون في المحكمة أم لا، لا أعرف».

لكن اللوحة الكبرى تقود جنبلاط إلى القول إن «المنطقة اليوم تشهد توترات متصاعدة. هناك اليمن والعراق، وقد يصبح لبنان بؤرة توتر جديدة لأن مشروع التفتيت لا يزال مستمراً. نحن الآن أمام سايكس بيكو جديدة. بعد تقسيم المنطقة عام 1916 نواجه خطة جديدة، فيما إسرائيل في أوج قوتها. إذا لم نراقب اللوحة الكبرى لا يمكننا الوصول إلى أي مكان».

لكن العلاقة الجيّدة التي تجمعه بالحريري لا تحجب، في رأي الزعيم الدرزي، وجود بعض التباين. كان قد ظهر هذا التباين في جلسة مجلس النواب الثلاثاء الماضي عند مناقشة اقتراحاته لتحسين الأوضاع الإنسانية للفلسطينيين، «لكن تحالف تيّار المستقبل مع القوات اللبنانية والآخرين أفرغ اقتراحاتنا من مضمونها، وهو ما حملنا على رفض ما تقدّموا به. صحيح أننا وصلنا إلى تسوية، وأدّى الرئيس نبيه برّي دوراً في ذلك، وكان مهماً، إلا أننا رفضنا الصندوق الخاص للتعويضات وأبدلناه بالحساب الخاص حتى لا تختلط تعويضات الفلسطينيين بأموال اللبنانيين. أضف، إن هناك مبالغ كبيرة من تعويضات نهاية الخدمة في الضمان الاجتماعي أنفقت في غير مجالها، ونحن لا نريد إقحام الفلسطيننين في مشاكلنا».

لكن جنبلاط لم يلمس بعد تبايناً في الرأي بينه وبين رئيس الحكومة حول القرار الظني: «على الأقل حتى الآن لم أسمع بهذا التباين في الإعلام، بل إن الحريري يشدّد على التهدئة. وهذا ممتاز».