الرئيس في طائرة الملك! – طارق الحميد – الشرق الاوسط


أمضينا ثلاثة أيام مكوكية، ضمن الوفد المرافق لخادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز؛ حيث كان المبيت في شرم الشيخ، ومنها إلى سورية، ويوم الجمعة كان الإفطار في دمشق، والغداء في بيروت، والعشاء في الأردن، مسافة متقاربة بين تلك العواصم المهمة، إلا أن القضايا تشعرك وكأن المسافة بينها تقطعها المحيطات.




إلا أن الحدث الأبرز، والتاريخي، هو وصول طائرة الملك السعودي وعلى متنها الرئيس السوري إلى مطار العاصمة اللبنانية، مشهد مختلف، ومدلولاته كثيرة. كما أن المتحمسين له كثر، مثلهم مثل المشككين، أو قل الرافضين، وليسوا من البعيدين عن منطقتنا فقط، لكن المبادرة السعودية بقيادة الملك عبد الله حيال الملف السوري – اللبناني، والملف اللبناني – اللبناني كانت مهمة جدا، ولها تأثير آني، وبعيد المدى.

التأثير الآني هو إعطاء لبنان، العليل، جرعة تطمينية مهمة، وغطاء عربيا عنوانه ضرورة الحفاظ على وحدة لبنان. كما أن الجرعة السعودية التطمينية، المهمة، تعني أن الرياض ودمشق متفقتان على وحدة لبنان وسلامته، وضرورة أن يحتكم لبنان إلى الوسائل الشرعية في أي اختلاف. كما أن وصول الرئيس السوري على متن الطائرة الملكية السعودية يعني أن لبنان دولة كاملة السيادة أمام الدولة السورية، والشاهد على ذلك هو السعودية، وأن هذا الأمر موضع إجماع واتفاق.

وهنا تبقى نقطة مهمة بالطبع، وهي المحكمة الدولية الخاصة باغتيال رفيق الحريري، وانتظار القرار الظني الذي استنفر من أجله حزب الله. ففي الوقت الذي يستبشر به جل اللبنانيين بكافة توجهاتهم بالتقارب والتوافق السعودي – السوري تجاه لبنان، نجد أن المشغول الوحيد هنا هو حزب الله، حيث يحاول المحسوبون على الحزب، سواء كانوا إعلاميين أم سياسيين – وحتى إيران أيضا – تطمين أنفسهم، والتشويش، في نفس الوقت، بأن التقارب السعودي – السوري سيضمن للحزب مخرجا في حال اتهم أعضاء فيه باغتيال الحريري. وهذا ما بدأت تتناقله الوسائل المحسوبة على الحزب، بعد لقاء العاهل السعودي بالرئيس السوري في دمشق، بينما نعلم أن المحكمة باتت دولية، وليست مجلس وجهاء وجهود وساطة.

وعليه، فإن وصول العاهل السعودي لبيروت وبصحبته الرئيس السوري، كان رسالة مهمة للبنان واللبنانيين، وليس لجماعة ضد أخرى، بأن البلدين حريصان على استقرار لبنان، ودعم رئيس وزرائه، وأن أي خلاف يجب أن يتم حله وفق الوسائل الشرعية. والمعروف أن المحكمة الدولية جزء من الوسائل الشرعية، وفي حال اتهم القرار الظني حزب الله، أو منتمين له، (وهذه فذلكات لغوية، خصوصا وقد قال لي أحد المسؤولين اللبنانيين الكبار في بيروت: «اللغة العربية غنية، ولن يعجزنا التوصيف للتعامل مع المحكمة»). نقول: إذا تم اتهام الحزب، وبالتالي تبرئة سورية، فهذا يضعف حجة أن المحكمة مسيّسة.

فكيف تكون المحكمة مسيّسة، وتبرئ دمشق، خصوصا أننا لاحظنا أن واشنطن بدت وكأنها تحاول تخريب اللقاء السعودي – السوري في دمشق، مع رد فعل فرنسي متحفظ؟ (وهذا أمر سنتناوله غدا). أمر لا يستوي ولا يستقيم بالطبع.

ولذا، فإن ما فعله الملك السعودي، ومعه الرئيس السوري، هو محاولة إيقاف لبنان من الانزلاق الشديد، لكن على حزب الله أن يواجه قدره. فمهما حاول الحزب الالتفاف على المحكمة، تبقى أمامه المهمة الأصعب، وهي محكمة الرأي العام اللبناني، الذي يعرف الحزب جيدا، ويتذكر أفعاله، ومنها انقلاب بيروت.