ردع التطاول “من فوق”! – نايلة التويني – النهار

فوجئت، كالكثير من اللبنانيين، بخبر توقيف ثلاثة شبان بتهمة القدح والذم برئيس الجمهورية عبر موقع "فايسبوك"، فيما كانت الأجهزة الأمنية تعتقل تباعاً متهماً بالتعامل مع اسرائيل، وموزعاً لمنشورات تحريضية في شرق صيدا، ومفتعلي حريق متعمد في زحلة

في كل من هذه القضايا يفترض باللبنانيين ان يدعموا السلطات الأمنية والقضائية وان يمحضوها التأييد، لأن لا قيامة للدولة القوية والحامية للجميع الا بتطبيق القانون وعدم التهاون فيه، خصوصاً ان مصيبة المصائب التي ابتلي بها لبنان بدأت عندما انهار حكم القانون فيه وتحول غابة مشرعة للميليشيات والدويلات والفلتان المستشري، الذي أدى الى استباحته أمام كل الأطماع الخارجية. ومع ذلك لا بد من التمييز بين قضايا ذات طابع أمني خطير وقضية تمس حرية التعبير

فمع ان أي لبناني لا يمكنه ان يبرر المسّ أو التعرض لمقام رئاسة الجمهورية، وخصوصاً بعد كل التجارب المريرة والخطيرة التي عرفها لبنان خلال الحقبات السابقة وأدت الى اضعاف موقع الرئاسة، يجب التنبه الى الانعكاسات المعنوية التي قد يحدثها هذا الاجراء القضائي بتوقيف الشبان الثلاثة، حتى لو ثبت انهم خالفوا القانون وتجاوزوا الأصول وتناولوا الرئاسة بتعابير مرفوضة من الجميع

تقتضي الموضوعية المجردة ان يسجل لعهد الرئيس ميشال سليمان، مع بداية سنته الثالثة، انه عهد ديموقراطي، لم تنشأ فيه حتى الآن أي قضية حريات. ولا نقول ذلك تملقاً أو مداهنة، فثمة اتجاهات لدى العهد لا نؤيدها، ولكننا نعتبر ان دعم الرئاسة هو واجب وطني، خصوصاً بعدما شهدنا ما شهدناه في العهد السابق من قمع للحريات في ظل الوصاية السورية على لبنان. ولذا فإننا نرى ان بداية التشدد في تطبيق القانون لمنع التعرض للرئاسة هو أمر حتمي، ويجب ان تنطلق هذه البداية من مكان ما، لكننا نعترض بصراحة على ان تبدأ بملاحقة شباب، ولو أخطأوا في تجاوز الحدود الأخلاقية والقانونية، والأصول واللياقات بتعرّضهم لمقام الرئاسة. كنا نود ان نرى مثلاً تحذيراً رسمياً بأن السلطات المعنية ستبدأ بالتشدد في تطبيق القانون على كل الحملات السياسية، والاعلامية التي تشن في شكل مبرمج ومنهجي على الرئاسة ولا تقيم أي وزن للقانون وضوابطه وموانعه وروادعه

بل كنا نفضل ان يبدأ منع التعرض للرئاسة بأسلوب صارم عبر ردود مباشرة وعلنية من دوائر بعبدا على كل من يمس أو يتعرض لمقام الرئاسة، ولكان ذلك يكفي وحده لإفهام الجميع ان الرئاسة ليست مكسر عصا لأحد، لا في الداخل ولا في الخارج

وكنا نود، ولا نزال، ان يقارن اللبنانيون ما بين هذا العهد وما سبقه على صعيد الحريات، ففي ذلك أكبر دليل الى ان كل من يتجاوز القانون ان يتحمل مسؤوليته شرط ان تبدأ المحاسبة من فوق

حتماً نحن لا نبرر للذين استعملوا تعابير الذم والقدح بحق الرئاسة ما قاموا به. لكننا حرصاً على الصورة المنفتحة والديموقراطية للعهد نقول ان منع التطاول على الرئاسة يجب ان يبدأ من مكان آخر، لا بل من أمكنة أخرى كثيرة ومعروفة مستقوية على القانون والدولة والأصول والمقامات… والمؤسسات، اذ ليس هكذا تؤكل الكتف