لبنان: الغطاء والالتزام – عبدالله اسكندر – الحياة

التطبيق الانتقائي، في لبنان، لاتفاق الطائف أدى الى اغتيال رئيس الحكومة السابق رفيق الحريري، وما تبعه من أزمة سياسية كبيرة وتوترات ونزاعات تضمنت اغتيالات لشخصيات أخرى وللجوء الى استخدام السلاح. وجاء اتفاق الدوحة ليضع حداً لهذه الأزمة وانتخاب رئيس جديد توافقي، ومن ثم تشكيل حكومة وفاق وطني، على أمل أن يمهد الوضع الجديد لاستكمال اتفاق الطائف ولارساء صيغة التعايش التعددي، سياسياً وطائفياً.

الاتفاقان حظيا بغطاء عربي ودولي، ورعاية خاصة سعودية وسورية. وتجدد الغطاء والرعاية من خلال القمة الثلاثية في بيروت وزيارة أمير قطر للبنان. وقبلهما خلال محادثات الملك عبدالله بن عبدالعزيز في شرم الشيخ ودمشق. وبدا ان تجديد الغطاء بات ضرورياً، بعدما لاح في الافق إمكان العودة مجدداً للتوتر الأمني والتلويح باستخدام القوة في الداخل.




وهنا بيت القصيد في المعادلة اللبنانية الحالية. إذ ان أحد البنود الاساسية في اتفاق الدوحة هو الامتناع عن اللجوء للسلاح لحل الخلافات الداخلية. واليوم مع تجديد القمة الثلاثية التزام السلم الاهلي وحماية الاستقرار، يطرح السؤال مجدداً عن التطبيق الانتقائي لاتفاق الدوحة الذي، رغم انه وضع لمرحلة انتقالية، بات جزءاً من معادلة التسوية الداخلية.

والتهديد الذي استدعى زيارة خادم الحرمين والرئيس الأسد، معاً، الى بيروت يأتي من التطبيق الانتقائي لاتفاق الدوحة. إذ ان أحد طرفي النزاع، قبل التوصل الى الاتفاق، لم يلتزم بنوداً فيه تتعلق بالتهدئة السياسية وبعدم اللجوء الى السلاح أو التهديد به.

ويبدو ظاهرياً ان التصعيد مرتبط بالقرار الظني للمحكمة الدولية الخاصة بلبنان، والهجوم الاستباقي الذي شنّه «حزب الله» على المحكمة، انطلاقاً من الاشتباه بأن التقرير يتهم أعضاء في الحزب. لكنه في العمق يعني ان ادارة الدولة لقضايا البلد، بما فيها المحكمة الدولية، ينبغي ان تستند الى موقف الحزب. إذ ان أي تعارض مع هذه الادارة يتحول مؤامرة على المقاومة، ومن لا يؤيد الحزب في خلافاته مع الآخرين يتحول الى طرف معاد، إن لم يكن متعاملاً مع اسرائيل. وذلك بعد اقتطاع سلسلة من المسؤوليات المنوطة بالدولة وفرض الاعتراف بحق الاقتطاع هذا. لتتقلص مساحة مسؤوليات الدولة وأدواتها الرسمية وتتسع مساحة الاقتطاع منها لمصلحة الحزب.

وهذه العملية المستمرة، والمتناقضة مع اتفاقي الطائف والدوحة بما هما من أدوات حل لأزمة داخلية وتنظيم للاستقرار، تنطوي على خطورة أخرى تتعلق ببدء ترسيخ «شيطنة» مكونات في البلد، بما يضرب عميقاً في جذور التعددية اللبنانية السياسية والطائفية، وصولاً الى ترسيخ اللون السياسي الواحد.

في القمة الثلاثية، حقق كل من أطرافها ما يعتبره هدفه، وإن كان في البيان الختامي تركيز على مصلحة الاستقرار والسلم الاهلي كهواجس مشتركة. لكن المشكلة ليست في القناعات العربية والدولية العامة بضرورة انقاذ لبنان من احتمال الانزلاق مجدداً الى العنف، وإنما في تمسك الطرف الأقوى على الارض، وهو هنا «حزب الله»، باستخدام كل الوسائل عندما يعتبر نفسه مهدداً، وباعتبار ان كشف مرتكبي الجرائم السياسية في لبنان، عبر المحكمة الدولية، هو بالضرورة مؤامرة على الحزب.

واستناداً الى ما تسرب في الصحف اللبنانية عن المحادثات السورية – السعودية في دمشق، والمحادثات الثلاثية والثنائية في بيروت، لم يعط الحزب أي ضمانات أو أجوبة عن مدى التزامه بكل بنود اتفاق الدوحة، وتالياً يبقى التطبيق الانتقائي لهذا الاتفاق مفتوحاً.

ويوم أمس، جاء إخراج جولة أمير قطر الشيخ خليفة بن حمد آل ثاني، مصحوباً بأركان الدولة اللبنانية، على البلدات اللبنانية الجنوبية وكأن الجميع حلّوا ضيوفاً على «حزب الله» في هذه المنطقة.