//Put this in the section //Vbout Automation

جنبلاط.. لم يعبر الجسر – مشاري الذايدي – الشرق الاوسط

قبل بضعة أشهر شاهدت مقابلة تلفزيونية مثيرة، كالعادة، مع الزعيم السياسي اللبناني وليد جنبلاط، مع المذيع غسان بن جدو على قناة «الجزيرة» (13 مارس «آذار» 2010). الحوار كان واضح الإعداد والترتيب، والغرض السياسي منه: تقديم رسالة اعتذار علني للقيادة السورية، وإعادة إنتاج صورة جديدة لزعيم المختارة وقائد الدروز ورئيس الحزب التقدمي الاشتراكي.

«تكويعة» وليد بيك أصبحت أشهر من نار على علم، قيل فيها وعنها ومعها وضدها الكثير، ليس هذا موضوعنا، ولا يهمنا هنا الحديث عن التفسير السياسي لانقلاب وليد جنبلاط.. شيء آخر هو المهم في سياقنا.




في اللقاء الذي كان المذيع يحرص فيه على انتزاع كلام واضح وصريح وغير مراوغ من «المخضرم» السياسي وليد جنبلاط بانحيازه الكامل لمعسكر حزب الله وتوجه دمشق، لم يعط جنبلاط لمحاوره مراده، بل أصر على أنه يمثل حالة خاصة، وأنه يريد إحداث صدمة إيجابية في الجمهور اللبناني من أجل الخروج من حالة الاحتقان والتخندق المذهبي، وأنه يخشى من تفجر الصراعات الدينية والطائفية بين اللبنانيين، بل إنه يفضل، تلميحا، المرحلة السابقة، أي قبل استفراد حزب الله بالساحة، قبل بزوغ المشاعر الأصولية، رغم كل ما فيها من بثور ودماء، على ما يراه الآن من انقسام عربي عميق وتخندق طائفي أعمق.

عموما قال الرجل كلمته، وحاول تسويق انقلابه السياسي، وتركه لمعسكر «14 آذار»، وتغيير لغته تجاه حزب الله وسورية وبشار الأسد، ليس هذا مهما، وقد مضى عليه بعض الوقت، وصار جنبلاط في مكان آخر، يملك فيه موقعه الخاص، بل إنه أحرج حتى مسيحيي حزب الله وأمل، أعني جماعة الجنرال عون عبر طرحه في البرلمان، من خلال كتلته، ملف النظر في الوضع الإنساني لفلسطينيي المخيمات اللبنانية البائس، وهاجم اليمين اللبناني «الغبي»، حسب وصفه، وهو يعني قطعا الموقف المسيحي السياسي الثابت تجاه ملف «توطين الفلسطينيين»، أو حتى مجرد الاقتراب من «تطبيع» وضعهم.. فجاء جنبلاط متأخرا إلى «معسكر المقاومة» لكنه لم يلبث أن صار صاحب المبادرة فيه!

ما شدني في تلك المقابلة حينما تحدث عن والده كمال جنبلاط، السياسي الشهير والمفكر والمثقف البارز في خضم عصر النهضة العربي وعصر التحرر من الاستعمار الأوروبي وبداية ظهور الدولة الوطنية، حيث كان الرجل «الصوفي» والمفكر السياسي طموحا بقدر أحلام المرحلة، وبقدر نبوغه، فسعى إلى تحطيم المحاصصة الطائفية السياسية في لبنان، وبناء المشتركات الوطنية وتأسيس مفهوم المواطنة، والخروج من تخندقات الطوائف وزعامات الطوائف. ولذلك كان كمال جنبلاط، حسب شرح نجله وليد، هو زعيم اليسار الوطني اللبناني العروبي «العلماني».

كمال جنبلاط تلخيص كثيف من تلخيصات الشرق الحزين والمعقد، حاول الرجل أن «يعبر الجسر» كما قال ابنه وليد، وأن يقفز فوق أوحال الشرق، ولكنه أخفق، في أن يوجد وعيا علمانيا وطنيا عروبيا، رغم كل قدراته وصداقاته الدولية والعربية، ورغم إرثه السياسي وزعامته الاجتماعية، قتل في مارس (آذار) 1977، والجميع يعرف الجهة التي قتلته، وكررت ذلك في الاغتيالات الأخيرة، وأولهم وليد، ولكنه قرر أخيرا أن يغفر وينسى أيضا…

تحدث عن أن نزوله مع جماهير «14 آذار» في 2005 وما تلاها، كان من أجل تحقيق حلم لبناني وطني جامع للناس على أساس غير طائفي، ولكن لم يحصل ذلك، وفسر إخفاقه بالإحالة إلى إخفاق حلم والده من قبل.

قال: «طيب، حققنا الكثير من هذا الحلم، يبقى لاحقا نحن في الداخل أن نتفق على برنامج سياسي واقتصادي للوصول إلى الخروج من هذه النتوءات الطائفية والمذهبية، هذا أمر ليس بالسهل، حاول كمال جنبلاط على مدى عقود تغيير وجه لبنان من أجل لبنان حديث، التوفيق بين الاستقلال والحداثة والعروبة لكن كمال جنبلاط من هو؟ ينتمي إلى أقلية والأقليات في العالم العربي، في هذا العالم العربي المريض مذهبيا يعني لا حظ لها، هذا العالم العربي مريض».

المرارة واضحة هنا في حديث وليد جنبلاط عن أن السبب الجوهري الذي جعل والده يخفق في تحقيق مشروعه الوطني التقدمي العلماني، هو كونه من طائفة الدروز القليلة العدد والحيلة! في بلد هو «مزرعة» للطوائف وسياسات الطوائف، التي تعتز بنفرها ومالها وامتداداتها الخارجية.

رغم كل ما امتلكه كمال جنبلاط من مؤهلات الزعامة الفكرية والسياسية والشخصية، فإنه أخفق.. فقط لكونه درزيا.

ما كان جاريا في سبعينات القرن المنصرم، حين اغتيل كمال جنبلاط، وقبل هذا العقد حين أخفق مشروع النهضة العربي الوطني، لصالح تيارات طائفية أو أصولية، يجري الآن في لبنان بشكل أكثر عريا وسفورا، فعنوان الشيعة في لبنان هو حزب ولي الفقيه، حزب الله، وعنوان السنة هو تيار المستقبل الذي ينطوي هو الآخر على كمون طائفي أصولي يمور تحت السطح، ناهيك عن «مردة» سليمان فرنجية و«تيار» عون و«قوات» جعجع. كل بحسبه.

وأبو تيمور، وليد جنبلاط، هو الآخر زعيم طائفي بامتياز أيضا، فهو حصر اهتمامه الآن بطي صفحته الشخصية مع الحكم السوري، ومع حزب الله المستقوي بسلاحه، ويريد أن «يورث» ابنه تيمور زعامة بلا أثقال ولا قيود الماضي، يكفيه فقط أن يستمر في زعامة الدروز وقيادة الإرث الجنبلاطي المديد، ويرعى المختارة، وربما يرعى الحزب التقدمي، هذا هو الهدف النهائي الآن، وإن حصل لتيمور أن «يعبر الجسر» كما فعل جده كمال جنبلاط، فليفعل، أما هو، وليد بيك، فقد عجزت فرسه أن تعبر به النهر وغاصت في «أوحال» الشرق إلى أذنيها وغاص معها وليد بيك أيضا في هذه الأوحال.

تحدث عن «ولي عهده» تيمور، فقال: «كيف يكون المستقبل؟ لست أدري… لست أدري… لكن في النهاية أتمنى أن يكون المستقبل أفضل، لأن كمال جنبلاط عبر الجسر – كما يقول محمود درويش – من مستنقع الشرق إلى الشرق الجديد، عبر من مستنقع الشرق، كان يطمح بشرق جديد، أتمنى أن يرى تيمور شرقا جديدا كما أراده جده عربيا طبعا ديمقراطيا علمانيا لا طائفيا، أتمنى، لست أدري إلا إذا كنا نحن نذهب إلى مستنقع جديد، سنرى».

الحق أننا في مستنقعات جديدة قديمة، الطائفية تسفر عن وجهها القبيح في كل مكان، الصراع السياسي في العراق عنوانه الرئيسي: حرب السنة والشيعة، أما في لبنان فحدث ولا حرج عن هذه الحرب السنية الشيعية، تلميحا وتصريحا، وزد عليها المسيحية السياسية.. في مصر توترات لا تهدأ حتى تثور بين المسيحيين الأقباط والمسلمين، وآخرها أزمة الزواج القبطي وهيمنة الكنيسة.. في بلدان الخليج خصوصا الكويت والسعودية والبحرين، مراشقات سنية شيعية من حين لآخر.

هذا إذا تحدثنا فقط عن «وحل» الطائفية، ضاربين الصفح عن وحول أخرى…

قد يبدو هذا الكلام سوداويا نوعا ما، ولكنه، في ظني، يرسم صورة مقاربة للواقع وهي صورة ناتجة من مجرد مراقبة الأحوال، وملامسة الأوحال…

هل هناك «مروج» زاهية بالورود والثمار تقابل هذه الأوحال؟

نعم هناك بقع زاهية هنا وهناك، توجد إنجازات فردية لبعض العرب في مجالات شتى، توجد مشاريع وأفكار جيدة وجديدة، توجد نوايا طيبة أيضا، يوجد شباب يطمحون للأفضل والأحسن… توجد قرارات حكومية تتمتع بحس مسؤولية واهتمام لبناء مستقبل أرقى وأبهى.

لكن الصورة العامة والدماء التي تنزف سيئة بسبب الغرق في هذه الأوحال.. والحيرة من هذه الأحوال.

هل قدر لهذا الشرق أن يبقى في الأوحال.. دون الجسر الذي عبرته أمم الغرب وغيرها نحو مروج المواطنة والدولة الرشيدة المدنية؟

قديما قال شاعر من الغرب عن هذه القطيعة بيننا وبينهم، وهو كيبلنغ: «الشرق شرق.. والغرب غرب ولن يلتقيا».

ولكن شاعرنا العربي أبا الحسن التهامي قال ما هو خير من ذلك، وإن كان يقصد معنى آخر:

والشرق نحو الغرب أقرب شقة

من بعد تلك الخمسة الأشبار…!