//Put this in the section //Vbout Automation

«جزيرة» غير معزولة – ساطع نور الدين – السفير

صخب «الجزيرة» لا ينتهي، وكذا الجدل المحيط بها. استقالة المذيعات الخمس خرجت من كونها مسألة مظهر يثير جدل الالتزام ومعاييره، لتلامس قضية فائقة الحساسية بالنسبة الى المحطة التي يتابعها المشاهدون بشغف واهتمام ويعتبرونها مقياسا رئيسيا لذلك الصراع السياسي والاجتماعي الذي يشغل العرب والمسلمين جميعا ما بين تيار ديني ضاغط وتيار ليبرالي صامت، وجمهور يتنقل بينهما بحسب الظروف والاحداث، بواسطة الريموت كونترول.

تحولت الاستقالة بحد ذاتها الى خبر رئيسي. وصارت المذيعات الخمس هن صانعات الحدث. وأُخضعت المحطة كلها لفحص هويتها التي كانت على الدوام تستمد من الغموض والتنوع والتحدي قوة وانتشارا لم يسبق لهما مثيل. وكان الاستنتاج الاول هو ان التشدد الديني الذي كان احدى سمات الجزيرة وعناصر تميزها، انتصر على من يسمون الليبراليين القطريين خصوصا، والخليجيين عامة، وبات يرى ان الفرصة مؤاتية لإحكام السيطرة على منبر كان يعتبره له، ولإطلاق الخطاب الاسلامي الذي يعتبر انه ليس له منافس ولا بديل.




لكن امور «الجزيرة» اشد عمقا وتعقيدا. لانها ليست جزيرة بالمعنى الحرفي للكلمة، معزولة عن محيطها والدولة الحاضنة لها ولا عن البيئة الخليجية الصادرة منها، والتي كانت ولا تزال تمدها بأسباب التفرد، وتكسبها جمهورا لا يمكن ان يذهب الى اي محطة اخرى تبث من مصر او المغرب او العراق او سوريا او طبعا لبنان. المزاج القطري والخليجي والعربي العام اسلامي بكل تأكيد، لكنه في حالة «الجزيرة» يعرف ان حصرية هذا المزاج يمكن ان تكون مدمرة للمحطة، مهما كان الاسلاميون اقوياء ومهما كانت اخبارهم مثيرة وجذابة في هذه المرحلة.

ومثلما خرجت المذيعات الخمس اللواتي كن من العلامات الفارقة لـ«الجزيرة»، خرج ايضا عدد من المتشددين الذين ظلموهن في الحكم على مظهرهن الرصين والهادئ والمهني، كما يمكن ان يخرج آخرون لاحقا، كي تحفظ المحطة ذلك التوازن السياسي الدقيق، الذي اختل في الآونة الاخيرة، نتيجة قراءات متحمسة للموقف العربي والاسلامي، والقطري ايضا الذي لا تستقيم قراءته الدقيقة بالاعتماد فقط على اداء «الجزيرة» ونزعاتها وبرامجها السياسية المثيرة.. والتي كادت توحي بان قطر ليست سوى حامية الاصولية الاسلامية وراعية تنظيماتها المختلفة من القاعدة الى حماس الى حزب الله، وحليفة دول المقاومة والممانعة مثل سوريا وايران والسودان.

استقالة المذيعات الخمس هزت بلا ادنى شك صورة «الجزيرة» الملونة، التي لا يمكن ان تسترد بغير الالتزام بالمعايير المهنية الدقيقة، وبغير الاحتكام الى المعايير السياسية التي تجعل من قطر بلدا يكتشف نفسه، ويعرّف الاخرين عنه، ويحاول ان يحدد موقعه على خريطة الكبار من دون ادعاء، وان يسد فراغا خليجيا وعربيا لا يتقدم احد لملئه، وان ينتزع دورا لا يطالب به احد، وربما لا يريده احد، مع انه ضروري جدا.